محمد جمال الدين القاسمي
175
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
المبنيّين على توهم عدم استحقاق المحسود لما أوتي من الفضل ببيان استحقاقه له بطريق الوراثة كابرا عن كابر . وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر . والمعنى : أن حسدهم المذكور في غاية القبح والبطلان . فإنا قد آتينا من قبل هذا آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد صلى اللّه عليه وسلم وأبناء أعمامه الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ النبوة وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً لا يقادر قدره . فكيف يستبعدون نبوته ويحسدونه على إيتائها ؟ أفاده أبو السعود . قال الرازيّ : إن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة . فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم . ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين . ثم إنه تعالى أعطاها لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وضم إليها أنه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا . فلما كانت هذه النعم سببا لحسد هؤلاء ، بيّن تعالى ما يدفع ذلك فقال : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً . والمعنى : أنه حصل في أولاد إبراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونهم . فلم تتعجبون من حال محمد صلى اللّه عليه وسلم ولم تحسدونه ؟ القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 55 ] فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ( 55 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ حكاية لما صدر عن أسلافهم . أي : فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم . ومنهم من كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه . وهو منهم ومن جنسهم . أي من بني إسرائيل . وقد اختلفوا عليهم . فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل ؟ فالكفرة منهم أشد تكذيبا لك وأبعد عما جئتهم به من الهدى والحق المبين . وفيه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأن ذلك ديدنهم المستمر وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً أي نارا مسعّرة يعذبون بها على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب اللّه ورسله . ثم أخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصدّ عن رسله فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 56 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً أي عظيمة هائلة كُلَّما نَضِجَتْ