محمد جمال الدين القاسمي
169
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
رسولنا المرسل ، سائر الرسل . وهذا لأن الكفر حكم شرعيّ كالرق والحرية مثلا . إذ معناه . إباحة الدم والحكم بالخلود في النار . ومدركه شرعيّ فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص . وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى . والتحق بهم بالطريق الأولى البراهمة والثنوية والزنادقة والدهرية . وكلهم مشركون . فإنهم مكذبون للرسول . فكل كافر مكذب للرسول ، وكل مكذب فهو كافر . فهذه هي العلامة المطردة المنعكسة . وتتمة هذا البحث في هذا الكتاب الذي لا يستغني عنه فاضل . فارجع إليه . وعض بنواجذك عليه . واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 49 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 49 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ تعجيب من تمادحهم بالتزكية التي هي التطهير والتبرئة من القبيح فعلا وقولا ، المنافية لما هم عليه من الطغيان والشرك الذي قصه تعالى عنهم قبل . فالمراد بهم اليهود . وقد حكى تعالى عنهم أنهم يقولون : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] . وحكى عنهم أيضا أنهم قالوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] . وأنهم قالوا : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب . وكذبوا . قال اللّه : إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له . وأنزل اللّه : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ . أي انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند اللّه تعالى مع ما هم فيه من الكفر والإثم العظيم . أو من ادعائهم تكفير ذنوبهم مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصيه . وقوله تعالى بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ تنبيه على أن تزكيته هي المعتد بها دون تزكية غيره . فإنه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن وقبيح . وقد ذمهم وزكى المرتضين من عباده المؤمنين . تنبيه : قال الزمخشريّ : يدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند اللّه . فإن قلت : أما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : واللّه ! إني لأمين في السماء ، أمين في الأرض ؟ قلت : إنما قال ذلك حين قال له المنافقون :