محمد جمال الدين القاسمي
166
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الموضع . ومع هذا التعطيل الذي هو شر من الشرك ، فالإمام أحمد ترحّم عليهم واستغفر لهم ، وقال : ما علمت أنهم مكذبون للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولا جاحدون لما جاء به . لكنهم تأوّلوا فأخطأوا . وقلدوا من قال ذلك . والإمام الشافعيّ لما ناظر حفص الفرد ، من أئمة المعطلة ، في مسألة ( القرآن مخلوق ) قال له الإمام الشافعيّ : كفرت باللّه العظيم . فكفّره ولم يحكم بردته بمجرد ذلك . ولو اعتقد ردته وكفره لسعى في قتله . وأفتى العلماء بقتل دعاتهم مثل غيلان القدريّ والجعد بن درهم وجهم بن صفوان إمام الجهمية وغيرهم . وصلى الناس عليهم ودفنوهم مع المسلمين . وصار قتلهم من باب قتل الصائل . لكفّ ضررهم ، لا لردتهم . ولو كانوا كفارا لرءاهم المسلمون كغيرهم . وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع . وقال ابن القيّم في ( شرح المنازل ) : أهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية للّه وعداوة ، من وجهين مختلفين . ويكون محبوبا للّه ومبغوضا من وجهين . بل يكون فيه إيمان ونفاق ، وإيمان وكفر ، ويكون إلى أحدهما أقرب من الآخر . فيكون إلى أهله كما قال تعالى : هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ [ آل عمران : 167 ] . وقال : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ . فأثبت لهم ، تبارك وتعالى ، الإيمان مع مقارنة الشرك . فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان . وإن كان تصديق برسله وهم يرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل واليوم الآخر - فهم مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أهل الكبائر . وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها ودخولهم الجنة ، لما قام بهم من السببين . قال : وقال ابن عباس ، في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ليس بكفر ينقل عن الملة . إذا فعله فهو به كفر . وليس كمن كفر باللّه واليوم الآخر . وكذلك قال طاوس وعطاء . انتهى كلامه . وقال الشيخ تقيّ الدين : كان الصحابة والسلف يقولون : إنه يكون في العبد إيمان ونفاق . وهذا يدل عليه قوله عز وجل : هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ [ آل عمران : 167 ] . وهذا كثير في كلام السلف . يبيّنون أن القلب يكون فيه إيمان ونفاق . والكتاب والسنة يدل على ذلك . ولهذا قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : « يخرج
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التوحيد ، 24 - باب قول الله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، حديث 21 .