محمد جمال الدين القاسمي
167
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان » . فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل قليل لم يخلد في النار . وإن كان معه كثير من النفاق ، فهذا يعذب في النار على قدر ما معه ثم يخرج . إلى أن قال : وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر وشعبة من شعب النفاق . وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية . كما قال الصحابة ، ابن عباس وغيره : كفر دون كفر . وهذا عامة قول السلف انتهى . فتأمل هذا الفصل وانظر حكايتهم الإجماع من السلف . ولا تظن أن هذا في المخطئ . فإن ذلك مرفوع عنه إثم خطئه كما تقدم مرارا عديدة . وقال الشيخ تقيّ الدين في كتاب ( الإيمان ) : الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن . وإن المنافقين الذين قالوا : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] ، هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع المسلمين ويناكحونهم ويوارثونهم . كما كان المنافقون على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولم يحكم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيهم بحكم الكفار المظهرين الكفر لا في مناكحتهم ولا في موارثتهم ولا نحو ذلك . بل لما مات عبد اللّه بن أبيّ ، وهو من أشهر الناس في النفاق ، ورثه عبد اللّه ابنه ، وهو من خيار المؤمنين . وكذلك سائر من يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون . وإذا مات لهم وارث ورثوه مع المسلمين وإن علم أنه منافق في الباطن . وكذلك كانوا في الحدود والحقوق كسائر المسلمين . وكانوا يغزون مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ومنهم من همّ بقتل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك . ومع هذا ، ففي الظاهر ، تجرى عليهم أحكام أهل الإيمان . إلى أن قال : ودماؤهم وأموالهم معصومة ولا يستحل منهم ما يستحل من الكفار . والذين يظهرون أنهم مؤمنون ، بل يظهرون الكفر دون الإيمان ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال « 1 » : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه . فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها . وحسابهم على اللّه . وكما قال لأسامة « 2 » : أقتلته بعد أن قال لا إله إلا اللّه ؟ قال : فقلت : إنما قالها
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 95 - باب على ما يقاتل المشركون ، حديث 2641 وهذا نصه : عن أنس قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن يستقبلوا قبلتنا ، وأن يأكلوا ذبيحتنا ، وأن يصلوا صلاتنا . فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها : لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين » . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه في : الإيمان ، حديث 158 ونصه : عن أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في سرية . فصبّحنا الحرقات من جهينة . فأدركت رجلا فقال : لا إله إلا الله . فطعنته ، فوقع