محمد جمال الدين القاسمي

165

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

من مسقطات العقوبة . إلى أن قال : ففعل هذه الأمور ممن يحسب أنها مباحة باجتهاد أو تقليد ونحو ذلك ، وغايته أنه معذور من لحوق الوعيد به لمانع ، كما امتنع لحوق الوعيد بهم لتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك . وهذه السبيل هي التي يجب اتباعها . فإن ما سواها طريقان خبيثان : أحدهما - القول بلحوق الوعيد بكل فرد من الأفراد بعينه . ودعوى أنها عمل بموجب النصوص . وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب ، والمعتزلة وغيرهم . وفساده معلوم بالاضطرار . وأدلته معلومة في غير هذا الموضع . فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق . لكن الشخص المعين الذي فعله لا يشهد عليه بالوعيد . فلا يشهد على معين من أهل القبلة بالنار ، لفوات شرط أو لحصول مانع . وهكذا الأقوال الذي يكفر قائلها . قد يكون القائل لها لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق . وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده . أو لم يتمكن من معرفتها وفهمها . أو قد عرضت له شبهات يعذره اللّه بها . فمن كان مؤمنا باللّه وبرسوله ، مظهرا للإسلام ، محبّا للّه ورسوله ، فإن اللّه يغفر له لو قارف بعض الذنوب القولية أو العملية . سواء أطلق عليه لفظ الشرك أو لفظ المعاصي . هذا الذي عليه أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام . لكن المقصود أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل ، بالفرق بين النوع والعين . بل لا يختلف القول عن الإمام أحمد وسائر أئمة الإسلام كمالك وأبي حنيفة والشافعيّ ، أنهم لا يكفرون المرجئة الذين يقولون : الإيمان قول بلا عمل . ونصوصهم صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم . وإنما كان الإمام أحمد يطلق القول بتكفير الجهمية لأنه ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم ، وأنه يدور على التعطيل . وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة . لكن ما كانوا يكفرون أعيانهم . فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقوله ولا يدعو إليه . والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط . والذي يكفّر مخالفه أعظم من الذي يعاقب . ومع هذا فالذين من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية : إن القرآن مخلوق . وإن اللّه لا يرى في الآخرة . وإن ظاهر القرآن لا يحتج به في معرفة اللّه ، ولا الأحاديث الصحيحة . وإن الدين لا يتم إلا بما زخرفوه من الآراء والخيالات الباطلة والعقول الفاسدة . وأن خيالاتهم وجهالاتهم أحكم في دين اللّه من كتاب اللّه وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان . وإن أقوال الجهمية والمعطلة من النفي والإثبات أحكم في دين اللّه . بسبب ذلك امتحنوا المسلمين وسجنوا الإمام أحمد وجلدوه وقتلوا جماعة وصلبوا آخرين . ومع ذلك لا يطلقون أسيرا ولا يعطون من بيت المال إلا من وافقهم ويقرّ بقولهم . وجرى على الإسلام منهم أمور مبسوطة في غير هذا