محمد جمال الدين القاسمي
11
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فقير إليه . فكان مقتضى القانون المذكور أن ينهى عن أكل مال اليتيم من هو فقير إليه حتى يلزم نهي الغنيّ عنه من طريق الأولى . وحينئذ فلا بد من تمهيد أمر يوضح فائدة تخصيص الصورة العليا بالنهي في هذه الآية . فنقول : أبلغ الكلام ما تعددت وجوه إفادته . ولا شك أن النهي عن الأدنى ، وإن أفاد النهي عن الأعلى ، إلا أن للنهي عن الأعلى أيضا فائدة أخرى جليلة ، لا تؤخذ من النهي عن الأدنى . وذلك أن المنهيّ كلما كان أقبح كانت النفس عنه أنفر والداعية إليه أبعد . ولا شك أن المستقر في النفوس أن أكل مال اليتيم مع الغنى عنه أقبح صور الأكل . فخصص بالنهي تشنيعا على من يقع فيه . حتى إذا استحكم نفوره من أكل ماله على هذه الصورة الشنعاء دعاه ذلك إلى الإحجام عن أكل ماله مطلقا . ففيه تدريب للمخاطب على النفور من المحارم . ولا تكاد هذه الفائدة تحصل لو خصص النهي بأكله مع الفقر ، إذ ليست الطباع في هذه الصورة معينة على الاجتناب ، كإعانتها عليه في الصورة الأولى . ويحقق مراعاة هذا المعنى تخصيصه الأكل . مع أن تناول مال اليتيم ، على أي وجه كان ، منهيّ عنه . كان ذلك بالادخار أو بالتباس أو ببذله في لذة النكاح مثلا ، أو غير ذلك . إلا أن حكمة تخصيص النهي بالأكل أن العرب كانت تتذمم بالإكثار من الأكل . وتعدّ البطنة من البهيمية . وتعيب على من اتخذها ديدنه ، ولا كذلك سائر الملاذ . فإنهم ربما يتفاخرون بالإكثار من النكاح ويعدونه من زينة الدنيا . فلما كان الأكل عندهم أقبح الملاذ خص النهي به . حتى إذا نفرت النفس منه بمقتضى طبعها المألوف جرها ذلك إلى النفور من صرف مال اليتيم في سائر الملاذ أو غيرها ، أكلا أو غيره . ومثل هذه الآية في تخصيص النهي بما هو أعلى قوله تعالى : لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [ آل عمران : 130 ] . فخص هذه الصورة لأن الطبع عن الانتهاء عنها أعون . ويقابل هذا النظر في النهي نظر آخر في الأمر . وهو أنه تارة يخص صورة الأمر الأدنى تنبيها على الأعلى . وتارة يخص صورة الأعلى لمثل الفائدة المذكورة من التدريب . ألا ترى إلى قوله تعالى بعد آيات من هذه السورة : وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ الآية [ النساء : 8 ] ، كيف خص صورة حضورهم وإن كانت العليا بالنسبة إلى غيبتهم . وذلك أن اللّه تعالى علم شح الأنفس على الأموال . فلو أمر بإسعاف الأقارب واليتامى من المال الموروث ولم يذكر حالة حضورهم القسمة ، لم تكن الأنفس بالمنبعثة إلى هذا المعروف كانبعاثها مع حضورهم . بخلاف ما إذا حضروا . فإن النفس يرقّ طبعها وتنفر من أن تأخذ المال الجزل وذو الرحم حاضر محروم ، ولا يسعف ولا يساعد . فإذا أمرت في هذه الحالة