محمد جمال الدين القاسمي
7
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ الحجرات : 9 - 10 ] . وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول ، فإنه أفضل لهم كما قال تعالى : وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [ المائدة : 45 ] . قال أنس « 1 » : ما رأيت نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رفع إليه شيء فيه قصاص إلّا أمر فيه بالعفو . . ! رواه أبو داود وغيره . وروى مسلم في صحيحه « 2 » عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلّا رفعه اللّه . وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ ، هو في المسلم الحرّ مع المسلم الحرّ ، فأما الذّميّ ، فجمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم . كما أنّ المستأمن الذي يقدم من بلاد الكفار - رسولا أو تاجرا أو نحو ذلك - ليس بكفء له ، وفاقا . ومنهم من يقول : بل هو كفء له . وكذلك النزاع في قتل الحرّ بالعبد . النوع الثاني : الخطأ الذي يشبه العمد : قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « 3 » : ألا إنّ قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا شبه العمد فيه مائة من الإبل مغلّظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها . سمّاه شبه العمد لأنه قصد العدوان عليه بالخيانة ، لكنّه بفعل لا يقتل غالبا ، فقد تعمّد العدوان ولم يتعمد ما يقتل . الثالث : الخطأ المحض وما يجري مجراه : مثل أن يكون يرمي صيدا أو هدفا فيصيب إنسانا بغير علمه ولا قصده ، فهذا ليس فيه قود ، وإنما فيه الدية والكفارة . وهنا مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم . التنبيه الرابع : قال الراغب : إن قيل : لم قال فمن عفي له من أخيه شيء ولم يقل : فمن عفا له أخوه شيئا . . ؟ قيل : العدول إلى ذلك للطيفة . وهي أنه لا فرق بين أن يكون صاحب الدم قد عفا أو جماعة ، فعفا أحدهم . إذ القصاص يبطل ويعدل حينئذ إلى الدية ، فقال : فمن عفي له من أخيه شيء ليدل على هذا المعنى ، و ( الهاء ) في قوله : أخيه يجوز أن تكون للمقتول ولوليّه . وجعله أخا لوليّ الدم لا للنسب ولا لموالاة دينية ، ولكن للإحسان الذي أسداه في الرضا منه بالدية . الخامس : هذه الآية مفسرة لما أبهم في آية المائدة وهي قوله تعالى : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] . كما أنها مقيدة وتلك مطلقة ، والمطلق يحمل على
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الديات ، 3 - باب الإمام يأمر بالعفو في الدم ؛ حديث 4497 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : البر والصلة والآداب ، حديث 69 . ( 3 ) أخرجه النسائيّ في : القسامة ، حديث 33 و 34 - باب كم دية شبه العمد .