محمد جمال الدين القاسمي
8
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
المقيّد ، وكذا ما ورد في السنة وصحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الباب فإنه يبيّن ما يراد في هذه الآية وآية المائدة . وقد رويت أحاديث من طرق متعددة بأنه : لا يقتل حرّ بعبد . كالأحاديث والآثار القاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى . فالتعويل على ذلك . وبالجملة : فقوله تعالى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ . . . إلخ لا يفيد الحصر البتة ، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام . هذا ما اعتمدوه ، واللّه أعلم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 179 ] وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 ) وقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ كلام في غاية الفصاحة والبلاغة لما فيه من الغرابة ، حيث جعل الشيء محل ضدّه ، فإن القصاص قتل وتفويت للحياة . وقد جعل مكانا وظرفا للحياة ، وعرّف القصاص ونكر الحياة ، ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم - الذي هو القصاص - حياة عظيمة . وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة . وكم قتل مهلهل بأخيه حتى كاد يفني بكر بن وائل ! وكان يقتل بالمقتول غير قاتله ، فتثور الفتنة ، ويقع بينهم التناحر . . ! فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة . . ! أو نوع من الحياة ، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل ، لأنه إذا همّ بالقتل ، فعلم أنه يقتص منه فارتدع ، سلم صاحبه من القتل ، وسلم هو من القود . فكان القصاص سبب حياة نفسين . . ! هذا ما يستفاد من ( الكشاف ) . لطيفة : اتفق علماء البيان على أنّ هذه الآية - في الإيجاز مع جمع المعاني - بالغة إلى أعلى الدرجات . . ! وذلك لأنّ العرب عبّروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة ، كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع ، وقول آخرين : أكثروا القتل ليقلّ القتل . وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم القتل أنفى للقتل ؛ وقد كانوا مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها . . ! ومن المعلوم لكلّ ذي لبّ أنّ بينها وبين ما في القرآن كما بين اللّه وخلقه ! وأنّى لها الوصول إلى رشاقة القرآن وعذوبته . . ! قال في ( الإتقان ) وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في