محمد جمال الدين القاسمي

6

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وإلّا أنتم فقد تركتم حكم التوراة . فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ . . . - إلى قوله - . . . وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . . . [ المائدة : 41 - 42 ] . - إلى قوله - . . . فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [ المائدة : 44 - 45 ] . . . فبين سبحانه أنّه سوى بين نفوسهم ، ولم يفضل منهم نفسا على أخرى ، كما كانوا يفعلونه إلى قوله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً . . . - إلى قوله - أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ المائدة : 48 - 50 ] . فحكم اللّه سبحانه وتعالى في دماء المسلمين أنها كلها سواء . خلاف ما عليه أهل الجاهلية . وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس - في البوادي والحواضر - إنما هي البغي وترك العدل . فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها دما من الأخرى . أو مالا . أو يعلو عليها بالباطل ، فلا ينصفها . ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق ! فالواجب في كتاب اللّه الحكم بين الناس في الدماء ، والأموال ، وغيرها . . . بالقسط الذي أمر اللّه به ، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية . . ! وإذا أصلح مصلح بينهم فليصلح بالعدل ، كما قال تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى ، فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ ، وَأَقْسِطُوا ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

--> فدعا رجلا من علمائهم فقال « أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى ! أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ » قال : لا . ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك . نجده الرجم . ولكنه كثر في أشرافنا . قلنا : إذا أخذنا الشريف تركناه . وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد . قلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع . فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم . فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم « اللهم ! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه » فأمر به فرجم . فأنزل الله عز وجل : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ . إلى قوله : إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ [ المائدة : 41 ] . يقول : ائتوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا . فأنزل الله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ المائدة : 45 ] .