محمد جمال الدين القاسمي

51

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الرازيّ : والغرض من قوله تعالى كَذلِكَ . . . . إلخ تعظيم حال البيان ، وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان . وفيه أيضا تقرير للأحكام السابقة ، والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل التقوى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 188 ] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 ) وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قال ابن جرير : يعني تعالى ذكره بذلك : ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل . فجعل بذلك آكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل ، ونظير ذلك قوله تعالى : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ الحجرات : 11 ] . وقوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] ، بمعنى : لا يلمز بعضكم بعضا ولا يقتل بعضكم بعضا . لأنه تعالى جعل المؤمنين إخوة . وكذلك تفعل العرب . تكني عن أنفسها بأخواتها ، وعن أخواتها بأنفسها لأن أخا الرجل عندها كنفسه ؛ فتأويل الكلام : ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل ، وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه اللّه لآكليه . و ( بينكم ) : إما ظرف ل ( تأكلوا ) بمعنى : لا تتناولوها فيما بينكم بالأكل ، أو حال من ( الأموال ) أي : لا تأكلوها كائنة بينكم ودائرة بينكم . و ( بالباطل ) في موضع نصب ب ( تأكلوا ) أي : لا تأخذوها بالسبب بالباطل - أي الوجه الذي لم يبحه اللّه تعالى - ويجوز أن يكون حالا من ( الأموال ) أي : لا تأكلوها متلبسة بالباطل . أو من الفاعل في ( تأكلوا ) أي : لا تأكلوها مبطلين أي متلبسين بالباطل وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ أي : تخاصموا بها - أي : بأموالهم - إلى الحكام ؛ مجزوم عطفا على النهي ، ويؤيده قراءة أبيّ ( ولا تدلوا ) بإعادة ( لا الناهية ) والإدلاء : مأخوذ من إدلاء الدلو وهو إرسالها في البئر للاستقاء ثم استعير لكلّ إلقاء قول أو فعل توصّلا إلى شيء ؛ ومنه يقال للمحتجّ : أدلى بحجّته . كأنه يرسلها ليصير إلى مراده ، كإدلاء المستقي الدلو ليصل إلى مطلوبه من الماء . وفلان يدلي إلى الميت بقرابة أو رحم ، إذا كان منتسبا إليه . فيطلب الميراث بتلك النسبة ف ( الباء ) صلة الإدلاء تجوزا به عن الإلقاء كما ذكرنا . والمعنى : لا تلقوا أمرها - والحكومة فيها - إلى الحكام . أو