محمد جمال الدين القاسمي
52
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة ليعينوكم على اقتطاع أموال الناس . وقد لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » الراشي والمرتشي والرائش - وهو الواسطة الذي يمشي بينهما - رواه أهل السنن . وذلك لأن وليّ الأمر إذا أكل هذا السحت - أعني الرشوة المسماة بالبرطيل ، وتسمى أحيانا بالهدية وغيرها - احتاج أن يسمع الكذب من الشهادة الزور وغيرها مما فيه إعانة على الإثم والعدوان ؛ ووليّ الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، هذا مقصود الولاية . وإذا كان الوالي يمكّن من المنكر بمال يأخذه كان قد أتى بضدّ المقصود ، مثل من نصبته ليعينك على عدوّك فأعان عدوّك عليك . وبمنزلة من أخذ مالا ليجاهد به في سبيل اللّه فقاتل المسلمين . و ( الحكّام ) : جمع حاكم وهو منفذ الحكم بين الناس كالحكم ، محرّكة . لِتَأْكُلُوا أي : بواسطة حكمهم الفاسد ، وبالتحاكم إليهم - فَرِيقاً - أي : طائفة وقطعة - مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ بما يوجب إثما - كشهادة الزور واليمين الفاجرة وحكمهم الفاسد - فإنه لا يفيد الحلّ والظلم . ف ( الباء ) للسببية . متعلّقها ( لتأكلوا ) . وجوز كونها للمصاحبة . فالمجرور حال من فاعل ( لتأكلوا ) أي : متلبسين بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي : أنكم على الباطل . وارتكاب المعصية - مع العلم بقبحها - أقبح ، وصاحبه أحق بالتوبيخ ، فالتقييد لكمال تقبيح حالهم . قال الراغب : أي : إن خفي ظلمكم على الناس فإنه لا يخفى عليكم ، تنبيها على أنّ الاعتبار بما عليه الأمر في نفسه ، وما علمتم منه لا بما يظهر . وقال ابن كثير في ( تفسيره ) : قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس : هذه الآية في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيّنة ، فيجحد المال ، ويخاصم إلى الحكام . وهو يعرف أنّ الحق عليه . وهو يعلم أنّه آثم آكل الحرام . وكذا روي عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والسدّيّ ، ومقاتل ابن حيان ، وعبد الرحمن بن زيد أنهم قالوا : لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم . وقد ورد في ( الصحيحين ) « 2 » عن أم سلمة : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ألا إنما أنا بشر .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : الأحكام ، 9 - باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم ، عن أبي هريرة ، وقال الترمذيّ : حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : المظالم والغصب ، 16 - باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه . ونصه : عن أم سلمة رضي الله عنها ، زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال « إنما أنا بشر . وإنه يأتيني الخصم . فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صدق ، فأقضي له بذلك . فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها » . وأخرجه مسلم في : الأقضية ، حديث 5 .