محمد جمال الدين القاسمي
50
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مرة فقضاه في شوّال . واعتكف مرة - في العشر الأول . ثمّ الأوسط ، ثمّ العشر الأخير - يلتمس ليلة القدر ، ثمّ تبيّن له أنها في العشر الأخير ، فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه عزّ وجلّ . وكان يأمر بخباء « 1 » فيضرب له في المسجد يخلو فيه بربّه عزّ وجلّ . وكان إذا أراد الاعتكاف صلّى الفجر ثم دخله . فأمر به مرّة فضرب . فأمر أزواجه بأخبيتهنّ فضربت . فلمّا صلّى الفجر نظر فرأى تلك الأخبية . فأمر بخبائه فقوّض . وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال . وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام . فلمّا كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما . وكان يعارضه جبريل « 2 » بالقرآن كلّ سنة مرة . فلمّا كان ذلك العام عارضه به مرّتين . ولم يباشر امرأة من نسائه - وهو معتكف - لا بقبلة ولا بغيرها . وكان - إذا اعتكف طرح له فراشه ، ووضع له سريره في معتكفه . وكان إذا خرج لحاجته مرّ بالمريض ، وهو على طريقه ، فلا يعرج له إلّا سأل عنه . واعتكف مرّة في قبة تركية ، وجعل على سدّتها حصيرا . كلّ هذا تحصيلا لمقصود الاعتكاف وروحه . تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها يعني : تلك الأحكام التي ذكرت في الصيام والاعتكاف من تحريم الأكل والشرب والجماع . وشبّه تلك الأحكام بالحدود الحاجزة بين الأشياء لكونها حاجزة بين الحق والباطل . فإن من عمل بها كان في حيز الحق ، ومن خالفها وقع في الباطل . ونهى عن قربها كيلا يداني الباطل فضلا أن يتخطى إليه . فالنهي عن مكان القرب من الحدود التي هي الأحكام ، كناية عن النهي عن قرب الباطل . لكون الأول لازما للثاني . وبذلك يحصل الجمع بين هذه الآية وآية تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [ البقرة : 229 ] ، ويندفع التنافي . وقوله فَلا تَقْرَبُوها أبلغ من فَلا تَعْتَدُوها لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من التصريح . وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق التصريح كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ أي : كما بيّن ما أمركم به ونهاكم عنه - في هذا الموضع - يبين للناس ما شرعه لهم على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ المحارم فيعرفون كيف يطيعون ويهتدون . كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [ الحديد : 9 ] .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الاعتكاف ، 7 - باب الأخبية في المسجد . ومسلم في : الاعتكاف ، حديث 6 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : فضائل القرآن ، 7 - باب كان جبريل يعرض القرآن على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، عن أبي هريرة .