محمد جمال الدين القاسمي

490

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

و قد ثبت في الصحيحين « 1 » عن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين ، فذكر منهم رجلا من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي - أفاده ابن كثير - . ثم إن الإخبار ، في آخر الآية ، بكونه تعالى : سَرِيعُ الْحِسابِ . كناية عن كمال علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق ، وأنه يوفّيها كل عامل على ما ينبغي ، وقدر ما ينبغي . ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر لكونه من لوازمها . ولكونه من لوازمها أشبه التأكيد ، فلذا لم يعطف عليه - واللّه أعلم - . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 200 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا أي على مشاق الطاعات وما يمسكم من المكاره والشدائد وَصابِرُوا أي غالبوا أعداء اللّه في الصبر على شدائد الجهاد . لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا . ولمصابرة باب من الصبر . ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه ، تخصيصا ، لشدته وصعوبته - كذا في الكشاف - وَرابِطُوا أي أقيموا على مرابطة الغزو في نحر العدوّ بالترصد والاستعداد لحربهم ، وارتباط الخيل . قال اللّه تعالى : وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [ الأنفال : 60 ] ، والرباط في الأصل أن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغره ، وكل معدّ لصاحبه ، ثم صار لزوم الثغر رباطا . وربما سميت الخيل أنفسها رباطا ، وقد يتجوّز بالرباط عن الملازمة والمواظبة على الأمر ، فتسمى رباطا ومرابطة . قال الفارسيّ : هو ثان من لزوم الثغر ، ولزوم الثغر ثان من رباط الخيل . وقد

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 31 - باب تعليم الرجل أمته وأهله ، حديث 82 ونصه : عن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثلاثة لهم أجران : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم . والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه . ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها ، وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها ، فله أجران » . وأخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 241 .