محمد جمال الدين القاسمي
431
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ثم ذكرهم تعالى بحالهم وقت الفرار بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 153 ] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 153 ) إِذْ تُصْعِدُونَ متعلق ب ( صرفكم ) أو بقوله ( ليبتليكم ) ، أو بمقدر . والإصعاد الإبعاد في الأرض . أي تبعدون في الفرار ، وقرئ : تصعدون . من الثلاثيّ ، أي في الجبل وَلا تَلْوُونَ أي لا تعطفون بالوقوف عَلى أَحَدٍ أي من قريب ولا بعيد ، من الدهش والروعة وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى ، إلى ترك الفرار من الأعداء وإلى العود والكرة عليهم . وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير وثوقا بوعد اللّه ومراقبة له . قال السدّيّ : لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد ، فهزموهم ، دخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها . فجعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم يدعو الناس : إليّ عباد اللّه ! إليّ عباد اللّه ! فذكر اللّه صعودهم إلى الجبل - ثم ذكر دعاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إياهم فقال : إذ تصعدون . . . إلخ - قال ابن كثير : وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد . وفي حديث البراء رضي اللّه عنه في مسند الإمام أحمد « 1 » أنهم لما انهزموا لم يبق مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا . وروى مسلم « 2 » عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فَأَثابَكُمْ أي جازاكم بهذا الهرب والفرار غَمًّا بِغَمٍّ أي غما متصلا بغم ، يعني غم الهزيمة والكسرة ، وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمدا قتل . وقيل الباء بمعنى مع ، وقيل بمعنى على ، وهما
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 4 / 293 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الجهاد ، حديث 100 ونصه : عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش . فلما رهقوه قال « من يردهم عنا وله الجنة ، أو هو رفيقي في الجنة ؟ » . فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل . ثم رهقوه أيضا . فقال « من يردهم عنا وله الجنة ، أو هو رفيقي في الجنة ؟ » فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل . فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لصاحبيه « ما أنصفنا أصحابنا » .