محمد جمال الدين القاسمي

432

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قريبان من الأول . وقيل الباء للمقابلة والعوض ، أي أذاقكم غما بمقابلة غم أذقتموه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو عصيانكم أمره . قاله الزجاج . وقال الحسن : يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين ، وقيل : المعنى غما بعد غم أي غما مضاعفا . ثم أشار إلى سر ذلك بقوله لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ أي لتتمرنوا بالصبر على الشدائد ، والثبات فيها ، وتتعودوا رؤية الغلبة والظفر والغنيمة ، وجميع الأشياء من اللّه لا من أنفسكم ، فلا تحزنوا على ما فاتكم من الحظوظ والمنافع . وقوله : وَلا ما أَصابَكُمْ من الغموم والمضار . قال العلامة ابن القيّم في ( زاد المعاد ) : وقيل جازاكم غما بما غممتم به رسوله بفراركم عنه ، وأسلمتموه إلى عدوه . فالغم الذي حصل لكم جزاء على الغم الذي أوقعتموه بنبيه . والقول الأول أظهر لوجوه : أحدها : أن قوله لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ تنبيه على حكمة هذا الغم بعد الغم ، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم من الظفر ، وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح ، فنسوا بذلك السلب ، وهذا إنما يحصل بالغم الذي يعقبه غم آخر . الثاني : أنه مطابق للواقع ، فإنه حصل لهم غم فوات الغنيمة ، ثم أعقبه غم الهزيمة ، ثم غم الجراح الذي أصابهم ، ثم غم القتل ثم غم سماعهم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قتل ، ثم غم ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم . وليس المراد غمين اثنين خاصة ، بل غما متتابعا لتمام الابتلاء والامتحان . الثالث : أن قوله ( بغم ) من تمام الثواب ، لا أنه سبب جزاء الثواب . والمعنى أثابكم غما متصلا بغم ، جزاء على ما وقع منكم من الهرب ، وإسلامكم نبيه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وترك استجابتكم له وهو يدعوكم ، ومخالفتكم له في لزوم مركزكم ، وتنازعكم في الأمر وفشلكم . وكل واحد من هذه الأمور يوجب غمّا يخصه ، فترادفت عليهم الغموم ، كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها . ولولا أن تداركهم بعفوه لكان أمرا آخر . ومن لطفه بهم ، ورأفته ورحمته ، أن هذه الأمور التي صدرت منهم كان من أمور الطباع ، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة ، فقيض لهم بلطفه أسبابا أخرجها من القوة إلى الفعل ، فيترتب عليها آثارها المكروهة ، فعلموا حينئذ أن التوبة منها ، والاحتراز من أمثالها ، ودفعها بأضدادها ، أمر متعين لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به ، فكانوا أشد حذرا