محمد جمال الدين القاسمي

364

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « يا أيها الناس ! إن اللّه كتب عليكم الحج . فقام الأقرع ابن حابس فقال : يا رسول اللّه أفي كل عام ؟ فقال : لو قلتها لوجبت ، ولو وجبت لم تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها . الحج مرة ، فمن زاد فهو تطوع » . الرابع : استطاعة السبيل عبارة عن إمكان الوصول إليه . قال ابن المنذر : اختلف العلماء في قوله تعالى مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فقالت طائفة : الآية على العموم ، إذ لا نعلم خبرا ثابتا عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا إجماعا لأهل العلم يوجب أن نستثني من ظاهر الآية بعضا ، فعلى كل مستطيع للحج يجد إليه السبيل بأي وجه كانت الاستطاعة ، الحجّ . على ظاهر الآية . قال : وروينا عن عكرمة أنه قال : الاستطاعة الصحة . وقال الضحاك : إذا كان شابا صحيحا ليس له مال فليؤجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه . فقال له قائل : أكلف اللّه الناس أن يمشوا إلى البيت ؟ فقال : لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه ؟ قال : لا ، بل ينطلق إليه ولو حبوا ، قال : فكذلك يجب عليه حج البيت . وقال مالك : الاستطاعة على إطاقة الناس ، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على المشي ، وآخر يقدر على المشي على رجليه . وقالت طائفة : الاستطاعة الزاد والراحلة ، كذلك قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد بن حنبل ، واحتجوا بحديث ابن عمر أن رجلا قال : يا رسول اللّه ما يوجب الحج ؟ قال : الزاد والراحلة - رواه الترمذيّ - وفي إسناده الخوزي فيه مقال . قال ابن كثير : لكن قد تابعه غيره . وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث . ورواه الحاكم من حديث قتادة عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سئل عن قول اللّه عز وجل : مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . فقيل : ما السبيل ؟ قال : الزاد والراحلة ، ثم قال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه . الخامس : قال الإمام ابن القيّم الدمشقيّ رضي اللّه عنه في ( زاد المعاد ) في سياق هديه صلّى اللّه عليه وسلم في حجته : لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة ، وهي حجة الوداع ، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر ، واختلف هل حج قبل الهجرة ؟ وروى الترمذيّ « 1 » عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال : حج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ثلاث حجج : حجتين قبل أن يهاجر ، وحجة بعد ما هاجر ، معها عمرة . قال الترمذيّ :

--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : الحج ، 6 - باب ما جاء : كم حجّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم .