محمد جمال الدين القاسمي

365

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

هذا حديث غريب من حديث سفيان . قال : وسألت محمدا - يعني البخاريّ - عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوريّ . وفي رواية : لا يعد هذا الحديث محفوظا . ولما نزل فرض الحج بادر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الحج من غير تأخير ، فإن فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر . وأما قوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ، فإنها ، وإن نزلت سنة ست عام الحديبية ، فليس فيها فريضة الحج ، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما ، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء . فإن قيل : فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة ؟ قيل : لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود ، وفيه قدم وقد نجران على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وصالحهم على أداء الجزية ، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع ، وفيها نزل صدر سورة آل عمران ، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة . ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم لما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا ، فأعاضهم اللّه تعالى من ذلك بالجزية . ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كان في سنة تسع . وبعث الصدّيق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج وأردفه بعليّ رضي اللّه عنه ، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ إما مستأنف لوعيد من كفر به تعالى ، لا تعلق له بما قبله ، وإما أنه متعلق به ومنتظم معه ، وهو أظهر وأبلغ . والكفر ، على هذا ، إما بمعنى جحد فريضة الحج ، أو بمعنى ترك ما تقدم الأمر به . ونظيره في السنة ما رواه النسائيّ والترمذيّ « 1 » عن بريدة مرفوعا : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر . وعن عبد اللّه بن شقيق قال « 2 » : كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة - أخرجه الترمذيّ - ولأبي داود « 3 » عن جابر مرفوعا : بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة . ولفظ مسلم « 4 » : بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة . و روى الترمذيّ « 5 » عن عليّ رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في : الصلاة ، 8 - باب الحكم في تارك الصلاة . والترمذيّ في : الإيمان ، 9 - باب ما جاء في ترك الصلاة . ( 2 ) أخرجه الترمذيّ في : الإيمان ، 9 - باب ما جاء في ترك الصلاة . ( 3 ) أخرجه أبو داود في : السنة ، 15 - باب الدليل على الزيادة والنقصان حديث 4678 . ( 4 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 134 . ( 5 ) أخرجه الترمذيّ في : الحج ، 3 - باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج .