محمد جمال الدين القاسمي
353
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
و في الصحيحين « 1 » أن عمر قال : يا رسول اللّه ! لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر ، فما تأمرني به ؟ قال : حبس الأصل وسبل الثمرة . وروى الحافظ أبو بكر البزار أن عبد اللّه بن عمر قال : حضرتني هذه الآية لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فذكرت ما أعطاني اللّه ، فلم أجد شيئا أحب إليّ من جارية لي رومية ، فقلت : هي حرة لوجه اللّه ، فلو أني أعود في شيء جعلته للّه ، لنكحتها . يعني تزوجتها . تنبيه : قال القاشانيّ ، في هذه الآية : كل فعل يقرب صاحبه من اللّه فهو بر ، ولا يمكن التقرب إليه إلا بالتبرؤ عما سواه ، فمن أحب شيئا فقد حجب عن اللّه تعالى به ، وأشرك شركا خفيّا ، لتعلق محبته بغير اللّه ، كما قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [ البقرة : 165 ] ، وآثر نفسه به على اللّه ، فقد بعد من اللّه بثلاثة أوجه . وهي محبة غير الحق ، والشرك ، وإيثار النفس على الحق ؛ فإن آثر اللّه به على نفسه وتصدق به وأخرجه من يده فقد زال البعد ، وحصل القرب ، وإلا بقي محجوبا ، وإن أنفق من غيره أضعافه ، فما نال برّا لعلمه تعالى بما ينفق وباحتجابه بغيره . وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي فمجازيكم عليه ، قليلا كان أو كثيرا ، جيدا أو غيره . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 93 ] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قال الزمخشريّ : المعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالا لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة ، وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم ، لم يحرم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه ، فتبعوه على تحريمه .
--> ( 1 ) أخرجه في المسند حديث 5179 .