محمد جمال الدين القاسمي
354
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تنبيهات : الأول - روي ، فيما حرمه إسرائيل على نفسه ، أنه لحوم الإبل وألبانها ، رواه الإمام أحمد في قصة ، والترمذيّ وقال : حسن غريب . وروى عن ابن عباس والضحاك والسدّيّ وغيرهم موقوفا عليهم أنه العروق . قالوا : كان يعتريه عرق النسا بالليل فيزعجه ، فنذر لئن عوفي لا يأكل عرقا ، ولا يأكل ولد ماله عرق ، فاتبعه بنوه في إخراج العروق من اللحم استنانا به ، واقتداء بطريقه . قال الرازيّ : ونقل القفال رحمه اللّه عن ترجمة التوراة أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث بردا إلى أخيه عيسو إلى أرض ساعير ، فانصرف الرسول إليه وقال : إن عيسو هو ذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل ، فذعر يعقوب وحزن جدا ، فصلى ودعا ، وقدم هدايا لأخيه ، وذكر القصة ، إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل ، فدنا ذلك الرجل ، ووضع إصبعه على موضع عرق النسا ، فخدرت تلك العصبة وجفت ، فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق - انتهى - قلت : والقصة مسوقة في سفر التكوين من التوراة في الأصحاح الثاني والثلاثين . الثاني : التحريم المذكور ، على الرواية الأولى ، أعني لحوم الإبل وألبانها ، فكان تبرّرا وتعبدا وتزهدا وقهرا للنفس ، طلبا لمرضاة الحق تعالى . وعلى الثانية فإما وفاء بالنذر وإما تداويا وإما لكونه يجد نفسه تعافه - واللّه أعلم - فالتحريم بمعنى الامتناع . الثالث : قال الزمخشريّ : الآية رد على اليهود وتكذيب لهم حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ، إلى قوله : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ [ الأنعام : 146 ] . وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه ، وامتعضوا مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم . فقالوا لسنا بأول من حرمت عليه ، وما هو إلا تحريم قديم ، كانت محرمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهلم جرا . إلى أن انتهى التحريم إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا . وغرضهم تكذيب شهادة اللّه عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل اللّه وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل وما عدد من مساوئهم - انتهى - . قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في دعواكم أنه تحريم قديم . وفي أمره صلى اللّه عليه وسلم بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم