محمد جمال الدين القاسمي

30

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ تقرير للقرب وتحقيق له . ووعد للداعي بالإجابة . وقد قرئ في السبع بإثبات الياء في ( الداع ) و ( دعان ) في الوصل دون الوقف ، وبالحذف مطلقا . تنبيهات : الأول : في معنى الدعاء : قال في القاموس وشرحه : الدعاء : الرغبة إلى اللّه تعالى فيما عنده من الخير ، والابتهال إليه بالسؤال . ويطلق على العبادة والاستغاثة . الثاني : فيما فسرّ به قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ : قال ابن القيّم في ( زاد المعاد ) في هديه صلّى اللّه عليه وسلّم في سجوده ما نصه : وأمر - يعني النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم - بالدعاء في السجود ، وقال « 1 » : إنه ضمن أن يستجاب لكم . وهل هذا أمر بأن يكثر الدعاء في السجود ؟ أو أمر بأنّ الداعي إذا دعا في محلّ فليكن في السجود ؟ وفرق بين الأمرين . . ! وأحسن ما يحمل عليه الحديث ، أنّ الدعاء نوعان : دعاء ثناء ، ودعاء مسألة . والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يكثر في سجوده من النوعين . والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين . والاستجابة - أيضا - نوعان : استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله ، واستجابة دعاء المثني بالثواب . وبكلّ واحد من النوعين فسرّ قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ . والصحيح أنّه يعمّ النوعين . انتهى . الثالث : فيمن هو الداعي المجاب : قال الراغب : بيّن تعالى - في هذه الآية - إفضاله على عباده ، وضمن أنهم إذا دعوه أجابهم ، وعليه نبّه بقوله تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] . إن قيل : قد ضمن في الآيتين أنّ من دعاه أجابه ، وكم رأينا من داع له لم يجبه ! قيل : إنّه ضمن الإجابة لعباده ، ولم يرد بالعباد من ذكرهم بقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [ مريم : 93 ] ؛ وإنّما عنى به الموصوفين بقوله : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [ الحجر : 42 ] ، وقوله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ [ الفرقان : 63 ]

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث 207 ونصه : عن ابن عباس قال : كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة ، والناس صفوف خلف أبي بكر . فقال : « يا أيها الناس ! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له . ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا . فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل . وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء . فضمن أن يستجاب لكم » .