محمد جمال الدين القاسمي
31
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الآيات ؛ وللدعاء المجاب شرائط وهي : أن يدعو بأحسن الأسماء ، كما قال تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [ الأعراف : 180 ] ، ويخلص النيّة ، ويظهر الافتقار ، ولا يدعو بإثم ، ولا بما يستعين به على معاداته . وأن يعلم أنّ نعمته فيما يمنعه من دنياه كنعمته فيما خوّله وأعطاه . ومعلوم أنّ من هذا حاله فمجاب الدعوة . . ! وقال ابن القيّم ، عليه الرحمة ، أيضا في أول كتابه : ( الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ) ما نصّه ، بعد جمل : وكذلك الدعاء . فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب . ولكن قد يتخلف عنه أثره . إمّا لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه اللّه لما فيه من العدوان . وإمّا لضعف القلب وعدم إقباله على اللّه وجمعيته عليه وقت الدعاء . فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا . فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا . وإمّا لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو اللهو وغلبتها عليه . كما في صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : ادعو اللّه وأنتم موقنون بالإجابة . واعلموا أن اللّه لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه ! . فهذا دواء نافع مزيل للداء . ولكن غفلة القلب عن اللّه تبطل قوته . وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها . كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » : « أيها الناس ! إنّ اللّه طيّب لا يقبل إلّا طيبا . وإنّ اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [ المؤمنون : 51 ] ، وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [ البقرة : 172 ] ، ثم ذكر : الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يده إلى السماء : يا ربّ يا ربّ ! ومطعمه حرام ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام . فإنّى يستجاب لذلك . . ! » وذكر عبد اللّه بن أحمد في كتاب ( الزهد ) لأبيه : أصاب بني إسرائيل بلاء ، فخرجوا مخرجا ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى نبيّهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إليّ أكفّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام . الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلّا بعدا . . ! . ثم قال ابن القيم رحمه اللّه : والدعاء من أنفع الأدوية . وهو عدوّ البلاء ، يدافعه ، ويعالجه ، ويمنع نزوله ، ويرفعه أو يخففه إذا نزل . وهو سلاح المؤمن . كما
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الزكاة ، حديث 65 .