محمد جمال الدين القاسمي

273

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والصواب ما عليه أئمة الهدى ، وهو أن يوصف اللّه بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، لا يتجاوز القرآن والحديث ، ويتبع في ذلك سبل السلف الماضين ، أهل العلم والإيمان . والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا تردّ بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه . ولا يعرض عنها ، فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا . ولا يترك تدبر القرآن ، فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ . فهذا أحد الوجهين . وهو منع أن تكون هذه من المتشابه . الوجه الثاني : أنه إذا قيل هذه من المتشابه ، أو كان فيها ما هو من المتشابه ، كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابها ، فيقال : الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلّا اللّه ، إما المتشابه ، وإما الكتاب كله كما تقدم . ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه كما قدمناه في القيامة وأمور القيامة . وهذا الوجه قويّ إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران ، أنهم احتجّوا على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « إنا ونحن » ونحو ذلك ، ويؤيده أيضا أنه قد ثبت أن في القرآن متشابها ، وهو ما يحتمل معنيين ، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب ، كما أن ذلك في مسائل المعاد وأولى ، فإن نفي المتشابه بين اللّه وبين خلقه أعظم من نفي المتشابه بين موعود الجنة وموجود الدنيا ، وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن نفي علم التأويل ليس نفيا لعلم المعنى ، ونزيده تقريرا أن اللّه سبحانه يقول : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [ الزمر : 27 - 28 ] ، وقال تعالى : الر ، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ يوسف : 1 - 2 ] ، فأخبر أنه أنزله ليعقلوه ، وأنه طلب تذكرهم . وقال أيضا : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ الحشر : 21 ] ، فحض على تدبره وفقهه وعقله والتذكر به والتفكير فيه ، ولم يستثن من ذلك شيئا . بل نصوص متعددة تصرح بالعموم فيه ، مثل قوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 24 ] ، وقوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] ، ومعلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلا بتدبره كله ، وإلا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفة ما لم يتدبر لما تدبر . وقال عليّ عليه السلام « 1 » لما قيل له : هل ترك عندكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شيئا ؟ فقال : لا ! والذي

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الديات ، 24 - باب العاقلة . ونصه : عن أبي جحيفة قال : سألت عليّا رضي الله عنه : هل عندكم شيء ما ليس في القرآن ؟ ( وقال مرة : ليس عند الناس ) فقال : والذي فلق الحب وبرأ النسمة ! ما عندنا إلا ما في القرآن ، إلا فهما يعطى رجل في كتابه . وما في الصحيفة . قلت : وما في الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر .