محمد جمال الدين القاسمي
274
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يؤتيه اللّه عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة . فأخبر أن الفهم فيه مختلف في الأمة ، والفهم أخص من العلم والحكم ، قال اللّه تعالى : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ، وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ الأنبياء : 79 ] . وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » : رب مبلّغ أوعى من سامع ، وقال « 2 » : بلغوا عني ولو آية . وأيضا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص القرآن ، آيات الصفات وغيرها ، وفسروها بما يوافق دلالتها . ورووا عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أحاديث كثيرة توافق القرآن . وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم . مثل عبد اللّه بن مسعود الذي كان يقول : لو أعلم أعلم بكتاب اللّه مني تبلغه آباط الإبل لأتيته . وعبد اللّه بن عباس الذي دعا له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وهو حبر الأمة وترجمان القرآن ، كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين إثباتا للصفات ورواية لها عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا ، وما في التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين ، بل وثالثهما في علية التابعين من جنسهم أو قريب منهم جلالة ، أصحاب زيد بن ثابت ، لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به ، بل أخذوا عن غيره مثل عمر ، وابن عمر ، وابن عباس . ولو كان معاني هذه الآيات منفيا أو مسكوتا عنه ، لم يكن ربانيّو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاما فيه . ثم إن الصحابة نقلوا عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة ، ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع من تفسير آية . قال أبو عبد الرحمن السلميّ : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا : عثمان بن عفان
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في الحج ، 132 - باب الخطبة أيام منى . ونصه : عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : خطبنا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يوم النحر . قال « أتدرون أي يوم هذا ؟ » قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . قال « أليس يوم النحر ؟ » قلنا : بلى . قال « أي شهر هذا ؟ » قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال « أليس ذو الحجة ؟ » قلنا : بلى . قال « أي بلد هذا ؟ » قلنا الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . قال « أليست بالبلدة الحرام ؟ » قلنا : بلى . قال : « فإن دماءكم وأموالكم عليّ حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم . ألا هل بلغت ؟ » قالوا : نعم . قال « اللهم ! اشهد . فليبلغ الشاهد الغائب . فرب مبلّغ أوعى من سامع . فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض » . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 50 - باب ما ذكر عن بني إسرائيل ونصه : عن عبد الله بن عمرو أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعدة من النار » .