محمد جمال الدين القاسمي

225

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

المرض . ودعا لها أن لا تنكشف . وخيّرها بين الصبر والجنة ، وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمان . فاختارت الصبر والجنة . وفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجة والتداوي . وإن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى اللّه يفعل ما لا يناله علاج الأطباء . وإن تأثيره وفعله وتأثير الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الأدوية البدنية وانفعال الطبيعة عنها . وقد جربنا هذا مرارا نحن وغيرنا . وعقلاء الأطباء معترفون بأن في فعل القوى النفسية وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب . وما على الصناعة الطبية أضر من زنادقة القوم وسفلتهم وجهالهم . والظاهر أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع . ويجوز أن يكون من جهة الأرواح . ويكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد خيّرها بين الصبر على ذلك مع الجنة . وبين الدعاء لها بالشفاء . فاختارت الصبر والستر . واللّه أعلم . ذلِكَ أي القيام المخبط بِأَنَّهُمْ قالُوا أي بسبب قولهم إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي نظيره في أن كلّا منهما معاوضة . فإن قلت : هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع . وحل البيع متفق عليه . فيقاس عليه الربا . وحق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق ؟ أجيب بأنه جيء به على طريق المبالغة . وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل . حتى شبهوا به البيع . كذا أجاب الزمخشريّ . قال الناصر في ( حواشيه ) : وعندي وجه في الجواب غير ما ذكر . وهو أنه متى كان المطلوب التسوية بين المحلين في ثبوت الحكم ، فللقائل أن يسوي بينهما طردا . فيقول مثلا : الربا مثل البيع . وغرضه من ذلك أن يقول والبيع حلال فالربا حلال . وله أن يسوى بينهما في العكس فيقول : البيع مثل الربا . فلو كان الربا حراما كان البيع حراما . ضرورة المماثلة . ونتيجته التي دلت قوة الكلام عليها أن يقول : ولما كان البيع حلالا اتفاقا غير حرام ، وجب أن يكون الربا مثله . والأول على طريقة قياس الطرد . والثاني على طريقة العكس . ومآلهما إلى مقصد واحد . فلا حاجة ، على هذا التقرير ، إلى خروج عن الظاهر لعذر المبالغة أو غيره . وليس الغرض من هذا كله إلا بيان هذا الذي تخيلوه على أنموذج النظم الصحيح . وإن كان قياسا فاسد الوضع ، لاستعماله على مناقضة المعلوم من حكم اللّه أيضا في تحريم الربا وتحليل البيع وقطع القياس بينهما . ولكن إذا استعمل الطريقتين المذكورتين استعمالا صحيحا فقل في الأولى : النبيذ مثل الخمر في علة التحريم . وهو الإسكار . والخمر حرام . فالنبيذ حرام . وقل في الثانية : إنما الخمر مثل النبيذ . فلو كان النبيذ حلالا لكان