محمد جمال الدين القاسمي
226
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الخمر حلالا . وليست حلالا اتفاقا . فالنبيذ كذلك . ضرورة المماثلة المذكورة . فهذا التوجيه أولى أن تحمل الآية عليه . واللّه أعلم . وقوله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا إنكار لتسويتهم بينهما . إذ الحل مع الحرمة ضدان . فإنّى يتماثلان ؟ ودلالة على أن القياس يهدمه النص . لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال اللّه وتحريمه . قال الرازيّ : إن نفاة القياس يتمسكون بهذا الحرف . قالوا : لو كان الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة . فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنص لا بالقياس . وذكر القفال رحمه اللّه الفرق بين البابين فقال : من باع ثوبا يساوي عشرة بعشرين ، فقد جعل ذات الثوب مقابلا بالعشرين . فلما حصل التراضي على هذا التقابل ، صار كل واحد منهما مقابلا للآخر في المالية عندهما . فلم يكن أخذ من صاحبه شيئا بغير عوض . أما إذا باع العشرة بالعشرين فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض ، ولا يمكن أن يقال : إن عوضه هو الإمهال في مدة الأجل . لأن الإمهال ليس مالا أو شيئا يشار إليه حتى يجعله عوضا عن العشرة الزائدة . فظهر الفرق بين الصورتين . وقد أخرج أبو نعيم في ( الحلية ) عن جعفر بن محمد أنه سئل : لم حرم اللّه الربا ؟ قال لئلا يتمانع الناس المعروف . أي الإحسان الذي في القرض إذ لو حلّ درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله . فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ أي بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا مِنْ رَبِّهِ متعلق ب ( جاءه ) أو بمحذوف وقع صفة ل ( موعظة ) . والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة للإشعار بكون مجيء الموعظة للتربية فَانْتَهى عطف على ( جاءه ) أي فاتعظ بلا تراخ ، وتبع النهي فَلَهُ ما سَلَفَ أي ما تقدم أخذه قبل التحريم ولا يسترد منه وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إن شاء أخذه لظهور الفرق وإن شاء عفا عنه . لأن الفرق ، وإن ظهر لأرباب النظر ، يجوز أن يخفى على العوام وَمَنْ عادَ أي إلى تحليل الربا بعد النص فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لكفرهم بالنص ، وردهم إياه بقياسهم الفاسد ، بعد ظهور فساده . ومن أحل ما حرم اللّه عزّ وجلّ فهو كافر . فلذا استحق الخلود . وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق . حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة . ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به . فإن الذي وقع العود إليه محمول على ما تقدم . كأنه قال : ومن عاد إلى ما سلف ذكره ، وهو فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه