محمد جمال الدين القاسمي
224
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية . فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه . وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا . ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى مع هذه الأرواح الخبيثة . وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت . ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها . وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة . فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة . وباللّه المستعان . وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل . وأن تكون الجنة والنار نصب عينه وقبلة قلبه . ويستحضر أهل الدنيا وحلول المثلاث والآفات بهم . ووقوعها خلال ديارهم . كمواقع القطر . وهم صرعى لا يفيقون . وما أشد أعداء هذا الصرع ! ولكن لما عمت البلية بحيث لا يرى إلا مصروعا لم يصر مستغربا ولا مستنكرا . بل صار ، لكثرة المصروعين ، عين المستنكر المستغرب خلافه . فإذا أراد اللّه بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم . فمنهم من أطبق به الجنون . ومنهم من يفيق أحيانا قليلة ويعود إلى جنونه . ومنهم من يفيق مرة ويجن أخرى . فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل . ثم يعاوده الصرع فيقع التخبط . ثم قال : وأما صرع الأخلاط فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعا غير تام : وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة . فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذا ما ، من غير انقطاع بالكلية . وقد يكون لأسباب أخر . كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح . أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء . أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع المؤذي فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء . ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبا بل يسقط ويظهر في فيه الزبد غالبا . وهذه العلة تعد من جملة الأمراض الحادة باعتبار وقت وجود المؤلم خاصة . وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيما إن جاوز في السن خمسا وعشرين سنة . وهذه العلة في دماغه وخاصة في جوهره . فإن صرع هؤلاء يكون لازما . قال بقراط : إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا . إذا عرف هذا ، فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تصرع وتنكشف ، يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع . فوعدها النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم الحنة بصبرها على هذا