محمد جمال الدين القاسمي
221
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » « إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم » . وورد أنه صلّى اللّه عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في صورة كلب . ونحو ذلك . وفي كتب اللّه سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا يحصى من مثل ذلك . وأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس ، وربما كان ملقى في النار وهو لا يحترق ، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع - فكثير جدا . لا يحصى مشاهدوه . إلى غير ذلك من الأمور الموجب للقطع أن ذلك من الجن أو الشياطين . وها أنا أذكر لك في ذلك من أحاديث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ما فيه مقنع لمن تدبره واللّه الموفق . روى الدارميّ « 2 » في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه : إن ابني به جنون وأنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا . فيخبّث علينا . فمسح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صدره ودعا . فثعّ ثعّة . وخرج من صدره مثل الجرو الأسود فسعى . ( وقوله ثع بمثلثة ومهملة أي قاء ) . وللدارميّ أيضا وعبد بن حميد بسند حسن أيضا عن جابر رضي اللّه عنه قال : خرجت مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في سفر . فركبنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير ، تظلنا . فعرضت له امرأة معها صبيّ لها . فقالت : يا رسول اللّه ! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار . فتناول الصبيّ فجعله بينه وبين مقدم الرحل . ثم قال : اخسأ ، عدو اللّه ! أنا رسول اللّه ( ثلاثا ) ثم دفعه إليها . وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر . وبيّن أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك كان في حرّة وأقم . قال جابر : فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان . فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها كبشان تسوقهما . فقالت : يا رسول اللّه ! اقبل مني هديتي . فوالذي بعثك بالحق ! ما عاد إليه بعد . فقال : خذوا منها واحدا ، وردوا عليها الآخر . ورواه البغويّ في ( شرح السنة ) عن يعلى بن مرة رضي اللّه عنه . ثم ساق البقاعيّ ما جاء في الإنجيل . قال : وذلك كثير جدا . يعني ما وقع
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأحكام ، 21 - باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء . ونصه عن عليّ بن الحسن أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أتته صفية بنت حييّ . فلما رجعت انطلق معها . فمرّ به رجلان من الأنصار . فدعاهما فقال « إنما هي صفية » قالا : سبحان الله . قال « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » . ( 2 ) أخرجه الدارميّ في المقدمة ، 4 - باب ما أكرم الله به نبيّه من إيمان الشجر به والبهائم والجن .