محمد جمال الدين القاسمي

222

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

للمسيح عليه السلام من إخراج الشياطين والأرواح الخبيثة من المبتلين بذلك . وبعد أن ساق ذلك قال : وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلم كافيا ، لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان . وقد أجاد بيان تسلط الأرواح الخبيثة الإمام شمس الدين ابن القيّم في ( زاد المعاد ) وذكر علاج دفعها فقال عليه الرحمة : فصل في هديه صلّى اللّه عليه وسلم في علاج الصرع أخرجا في الصحيحين « 1 » من حديث عطاء بن أبي رباح قال : « قال لي ابن عباس : ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت : بلى . قال : هذه المرأة السوداء . أتت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : إني أصرع . وإني أتكشف . فادع اللّه لي . فقال : إن شئت صبرت ولك الجنة . وإن شئت دعوت اللّه لك أن يعافيك . فقالت : أصبر . قالت : إني أتكشف فادع اللّه أن لا أتكشف . فدعا لها » . قلت : الصرع صرعان : صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط الردية . والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه . وأما صرع الأرواح ، . فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه . ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة . فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها . وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه . فذكر بعض علاج الصرع وقال : هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة . أما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج . وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة ، فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع . وليس معهم إلا الجهل . وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك . والحس والوجود شاهد به . وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها . وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع المرض الإلهيّ . وقالوا : إنه من الأرواح ، وأما جالينوس وغيره . فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا : إنما سموها بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضرّ بالجزء الإلهيّ الطاهر

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : المرضى ، 6 - باب فضل من يصرع من الريح .