محمد جمال الدين القاسمي

180

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ، لما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وبفقره . رد عليهم ذلك أوّلا : بأن ملاك الأمر هو اصطفاء اللّه تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم . وثانيا : بأن العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة . وجسامة البدن ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الحروب . وقد خصه اللّه تعالى منهما بحظ وافر قاله أبو السعود . وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ ، - في الدنيا من غير إرث أو مال . إذ لا يشترط في حقه تعالى شيء ، فهو الفعال لما يريد وَاللَّهُ واسِعٌ يوسع على الفقير ويغنيه عَلِيمٌ بمن يليق بالملك ممن لا يليق به . وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة . قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية أن النبوة والإمامة لا تستحق بالإرث وأن الغنى ، والصيانة من الحرف الدنيئة ، لا تشترط في أمير ولا إمام ولا قاض . أي لما روي أن طالوت كان دباغا أو سقاء مع فقره . قال الحاكم : فيبطل قول الإمامية أنها وراثة ، والمعروف من قولهم : أن الإمامة طريقها النص ، وتدل الآية أيضا على أنه يشترط في الأمير ونحوه القوة على ما تولاه . فيكون سليما من الآفات عالما بما يحتاج إليه ، لأن اللّه تعالى ذكر البسطة في العلم والجسم ردّا على ما اعتبروا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 248 ] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 248 ) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ ، أي علامة مُلْكِهِ أنه من اللّه تعالى : أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ أي يرد اللّه إليكم التابوت الذي أخذ منكم وهو صندوق التوراة . على ما سنذكره فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، أي وقار وجلال وهيبة . أو فيه سكون نفوس بني إسرائيل يتقوون به على الحرب وَبَقِيَّةٌ ، أي فضلة جملة ، ذهب جلّها مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ ، أي من آثارهم الفاضلة تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ ، أي في رد التابوت إليكم لَآيَةً لَكُمْ أن ملكه من اللّه تعالى : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بآيات اللّه وأنبيائه . قال العلامة البقاعيّ عليه الرحمة : التابوت ، واللّه أعلم ، الصندوق الذي وضع