محمد جمال الدين القاسمي

174

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تنبيه : روي عن ابن عباس : أنّ الآية عني بها قوم كثير والعدد خرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد في سبيل اللّه فأماتهم اللّه ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوّهم . فكأنها ذكرت ممهدة للأمر بالقتال بعدها في قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . ومعلوم أن سورة البقرة مما نزل في المدينة إثر الهجرة قبل فتح مكة . وكان العدوّ في مكة وما حولها في كثرة وقوة ومنعة ، فأمر المسلمون المهاجرون ومن آواهم أن يقاتلوا في سبيل اللّه . وقصّ لهم من الأنباء ما فيه بعث لهم على الجهاد وتبشير لهم بالفوز والعاقبة . وإن يكونوا في قلة وضعف ، ما داموا مستمسكين بحبل الوفاق والصبر والمصابرة . وقد ذهب بعض الرواة إلى أن هذه الآية عني بها ما قص في التوراة عن ( حزقيل ) - أحد أنبياء بني إسرائيل - أنه أوحى إليه أن يخرج إلى فلاة واسعة قد ملئت عظاما يابسة من موتى بني إسرائيل . وأن يناديها باسمه تعالى . فجعلت تتقارب ثم كسيت لحما . ثم نادى أرواحها فعادت إلى أجسامها واستووا أحياء على أقدامهم بأمره تعالى . وهم جيش كثير جدا . وأوحى إلى ( حزقيل ) أنهم سيعودون إلى وطنهم بعد أن أجلوا عنه . وهذه القصة مبسوطة في توراتهم في الفصل السابع والثلاثين من نبوة ( حزقيل ) . وممن روي عنه أنه عني بهذه الآية نبأ ( حزقيل ) ، وهب بن منبه وأشعث بن أسلم البصريّ والحجاج بن أرطاة والسدّيّ وهلال بن يساف وغيرهم . أخرجه عنهم ابن جرير . فإن صحت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات ( حزقيل ) في إحياء الموتى له كما أحيى لعيسى عليه السلام . فيرى قومه ما لا ييأسون معه من جهاد عدوّهم ليسترجعوا وطنهم الذي أجلاهم عنه عدوهم . لأن ( حزقيل ) كان فيمن أجلي إلى بابل . قالوا ونبوته تتضمن القضاء المنزل على بني إسرائيل وبشرى السلام الذي يعقب ذلك القضاء . وقد نقل ابن كثير عن عطاء أنه قال في هذه الآية : إنها مثل . ولعل مراده أنها مثل في تكوينه تعالى أمة قوية تقهر وتغلب وتسوس غيرها بعد بلوغها غاية الضعف والخمول . فكان حياتها وموتها تمثيلا لحالتيها قبل وبعد . فيكون إشعارا بما ستصير إليه العرب من القوة العظيمة والمدينة الفخيمة . وتنبيها على أن الوصول إلى ذلك إنما يكون بجهاد الظالمين واتفاق المتقين على دحر المتغلبين الباغين واللّه أعلم . ثم إنه لا خفاء في أن ما قصّ من حوادث الإسرائيليين كان معروفا في الجملة لمخالطة اليهود للعرب في قرون كثيرة .