محمد جمال الدين القاسمي
175
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال وليّ اللّه الدهلويّ في ( الفوز الكبير ) : واختار سبحانه في تنزيله من أيام اللّه ، يعني الوقائع التي أحدثها اللّه سبحانه وتعالى ، كإنعام المطيعين وتعذيب العصاة ، ما قرع سمعهم . وذكر لهم إجمالا مثل قصص قوم نوح وعاد وثمود . وكانت العرب تتلقاها أبا عن جد ، ومثل قصص سيدنا إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل فإنها كانت مألوفة لأسماعهم لمخالطة اليهود العرب في قرون كثيرة ، وانتزع من القصص المشهورة جملا تنفع في تذكيرهم . ولم يسرد القصص بتمامها مع جميع خصوصياتها . والحكمة في ذلك أن العوام إذا سمعوا القصص النادرة غاية الندرة ، أو استقصى بين أيديهم ذكر الخصوصيات ، يميلون إلى القصص نفسها ويفوتهم التذكر الذي هو الغرض الأصلي فيها . ونظير هذا الكلام ما قاله بعض العارفين : إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 244 ] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244 ) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . قال المفسرون : في اتباع القصة المتقدمة الأمر بالقتال ، دليل على أنها سيقت بعثا على الجهاد . فحرض على الجهاد بعد الإعلام بأن الفرار من الموت لا يغني ، كما قال تعالى : الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ آل عمران : 168 ] ، وأصل السبيل هو الطريق . وسميت المجاهدة سبيلا إلى اللّه تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى اللّه بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى ، ونشر الدعوة إلى توحيده وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله . فالقتال دفاع في سبيل اللّه لإزالة الضرر العام . وهو منع الحق وتأييد الشرك . وذلك بتربية الذين يفتنون الناس عن دينهم وينكثون عهودهم لا لحظوظ النفس وأهوائها ، والضراوة بحب التسافك وإزهاق الأرواح ، ولا لأجل الطمع في الكسب . وفي قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بعث على صدق النية والإخلاص . كما في الصحيحين « 1 » عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال : « سئل رسول
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 45 - باب من سأل وهو قائم عالما جالسا ، حديث 105 ونصه : عن أبي موسى قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! ما القتال في سبيل الله ؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية . فرفع إليه رأسه ( وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما ) ، فقال « من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل » . وأخرجه مسلم في : الإمارة ، حديث 150 .