محمد جمال الدين القاسمي

17

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

معبوده . فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة اللّه ومرضاته . وهو سرّ بين العبد وربّه ، ولا يطلع عليه سواه . . ! . والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة . وأمّا كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده ، فهو أمر لا يطلع عليه بشر . وذلك حقيقة الصوم . . ! وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة ، والقوى الباطنة . وحميتها عن التخليط الجالب لها الموادّ الفاسدة ، التي إذا استولت عليها أفسدتها . واستفراغ الموادّ الردية المانعة له من صحتها . فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها . ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات . فهو من أكبر العون على التقوى ، كما قال تعالى في تتمة الآية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » : الصوم جنّة . وأمر « 2 » من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه ، بالصيام . وجعله وجاء هذه الشهوة . وكان هدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه أكمل الهدى ، وأعظم تحصيلا للمقصود ، وأسهله على النفوس . . ! ولما كان فطم النفس عن مألوفاتها وشهواتها من أشقّ الأمور وأصعبها ، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة . لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة . وألفت أوامر القرآن . فنقلت إليه بالتدريج . وكان فرضه السنة الثانية من الهجرة . فتوفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد صام تسعة رمضانات . وفرض أوّلا على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كلّ يوم مسكينا . ثمّ نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة - إذا لم يطيقا الصيام - فإنهما يفطران ويطعمان عن كلّ يوم مسكينا - كما سيأتي بيانه - وكان للصوم رتب ثلاث : أحدها : إيجابه بوصف التخيير . والثانية : تحتمه ، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة ، فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة : وهي التي استقرّ عليها الشرع إلى يوم القيامة . . ! كذا أفاده ابن القيم في زاد المعاد .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الصوم ، باب فضل الصوم ، حديث 961 ونصه : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الصيام جنة . فلا يرفث ولا يجهل . وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم ( مرتين ) والذي نفسي بيده ! لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك . يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي . الصيام لي وأنا أجزي به . والحسنة بعشر أمثالها . . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : النكاح ، 3 - باب من لم يستطع الباءة فليصم حديث 967 ونصه : قال عبد الله ( بن مسعود ) كنا مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم شبابا لا نجد شيئا فقال لنا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم « يا معشر الشباب ! من استطاع الباءة فليتزوج . فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج . ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » .