محمد جمال الدين القاسمي

164

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

. قال : فلما بلغتها آذنتها ، فأملت عليّ : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للّه قانتين . قالت عائشة : سمعتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وروى ابن جرير عن حفصة نحو ذلك . قال نافع : فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه الواو . وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير ، أنهما قرءا كذلك . فهذا من عائشة رضي اللّه عنها إعلام بالمراد من ( الوسطى ) عندها . ضمّت التأويل إلى أصل التنزيل لأمن اللبس فيه . لأن القرآن متواتر مأمون أن يزاد فيه أو ينقص . وكان في أول العهد بنسخه ربما ضمّ بعض الصحابة تفسيرا إليه ، أو حرفا يقرؤه . ولذا لمّا خشي عثمان رضي اللّه عنه أن يرتاب في كونه من التنزيل - مع أنه ليس منه - أمر بأن تجرد المصاحف في عهده مما زيد فيها من التأويل وحروف القراءات التي انفرد بعض الصحب ، وأن يقتصر على المتواتر تنزيله وتلقّيه من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . قال القاضي أبو بكر في ( الانتصار ) : لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين ، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإلغاء ما ليس كذلك ، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ، ولا تأويل أثبت مع تنزيل ، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه ، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد . . . هذا وقد أيّد علماء الأثر ما ذهبوا إليه من أنها صلاة العصر بأنها خصت بمزيد التأكيد والأمر بالمحافظة عليها ، والتغليظ لمن ضيعها . فقد قال أبو المليح : كنا مع بريدة في غزوة . فقال في يوم ذي غيم : بكّروا بصلاة العصر فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله » . أخرجه البخاريّ « 1 » . وقوله : بكروا بصلاة العصر ، أي قدّموها في أوّل وقتها . و روى الشيخان « 2 » عن ابن عمر : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله . . ! » أي : نقص وسلب أهله وماله فبقي فردا ، فاقدهما . والمعنى : ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله . وقد ساق الحافظ عبد المؤمن الدمياطيّ في كتابه ( كشف المغطى في تبيين

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : المواقيت ، 15 - باب من ترك العصر ، حديث 357 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : مواقيت الصلاة ، 14 - باب إثم من فاتته العصر ، حديث 356 . ومسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 200 و 201 .