محمد جمال الدين القاسمي

16

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كُتِبَ عَلَيْكُمْ أي : فرض عليكم فرضا مؤكّدا بمثابة المكتوب الذي لا يمحى ولا يعتوره تغيير إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي : قرب نزوله به بأن قرب مفارقته الحياة إِنْ تَرَكَ خَيْراً أي : مالا يورث الْوَصِيَّةُ أي : المعهودة ، وهي وصيّة اللّه سبحانه وتعالى في إيتاء كل ذي حقّ حقّه ، على ما بينته تلك الآية لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ أي : في إبلاغهم فرضهم المبين في آية يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ فإنه أجمع آية حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ تأكيد للكتابة بأنها أمر ثابت لا يسوغ التسامح فيه بوجه ما فَمَنْ بَدَّلَهُ أي : هذا المكتوب الحقّ بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي : فعلم الحق المفروض فيه فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي : فلا يخفى عليه شيء من حال الممتثل والمبدّل ، وقوله تعالى فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أي : ميلا عمّا فرضه تعالى أَوْ إِثْماً أي : بقطع من يستحقّ عن حقّه ، لما لا تخلو عنه كثير من الأنفس التي لم يدركها نور التهذيب فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ أي : بأمر رضي به الكل فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي : لأنّ الصلح جائز إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا ، واللّه أعلم . المنقول من الدفتر . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 183 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ - فرض - عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . واعلم أنّ مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه اللّه لعباده رحمة لهم ، وإحسانا إليهم ، وحميّة ، وجنّة . . ! فإن المقصود من الصيام : حبس النفس عن الشهوات ، وفطمها عن المألوفات ، وتعديل قوتها الشهوانية ، لتسعد بطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها ، وقبول ما تزكو به ممّا فيه حياتها الأبدية . . ! ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين . . ! وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب ، وحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها ، ويسكن كلّ عضو منها وكلّ قوّة عن جماحها ، وتلجم بلجامه ، فهو لجام المتقين ، وجنّة المجاهدين ، ورياضة الأبرار والمقرّبين . . ! وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال ، فإنّ الصائم لا يفعل شيئا ، إنما ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل