محمد جمال الدين القاسمي
156
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
اعلم أنّ في هذه الآية مسائل : الأولى : خصّ ، من عموم الآية ، الحامل المتوفى عنها زوجها ، فإن عدتها بوضع الحمل لقوله تعالى : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطلاق : 4 ] ، ولما في ( الصحيحين ) « 1 » عن سبيعة الأسلمية : أنها كانت تحت سعد بن خولة - وهو من بني عامر بن لؤيّ وكان ممن شهد بدرا - فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل . فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلّت من نفاسها تجمّلت للخطّاب . فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك - رجل من بني عبد الدار - فقال : مالي أراك تجمّلت للخطّاب ، لعلك ترجين النكاح ؟ وإنّك واللّه ما أنت بناكح حتى تمرّ عليك أربعة أشهر وعشر . قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألته عن ذلك ؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي . وأمرني بالتزويج إن بدا لي . وفيه قال ابن شهاب : ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت ، وإن كانت دمها ، غير أنه لا يقربها حتى تطهر . الثانية : المراد من تربّصها بنفسها : الامتناع عن النكاح ، والامتناع عن التزيّن ، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه . فالأول مجمع عليه . والثاني : روي فيه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش وعائشة - أمهات المؤمنين - عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 2 » قال : « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث . إلّا على زوج أربعة أشهر وعشرا » . متفق عليه . وعن أم سلمة أن امرأة قالت : « يا رسول اللّه ! إنّ ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها ؟ قال : لا . كل ذلك يقول : لا . مرتين أو ثلاثا - ثم قال : إنما هي أربعة أشهر وعشر . وقد كانت إحداكنّ في الجاهلية تمكث سنة » . متفق عليه . وعن نافع : أن صفية بنت عبد اللّه اشتكت عينها - وهي حادّ على زوجها ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان ، أخرجه مالك في ( الموطأ ) « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الطلاق ، 39 - باب وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، حديث 2061 . وأخرجه مسلم في : الطلاق ، حديث 57 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الجنائز ، 31 - باب حد المرأة على غير زوجها ، حديث 680 و 681 . وأخرجه مسلم في : الطلاق ، حديث 58 و 59 و 65 . ( 3 ) أخرجه مالك في الموطأ في : الطلاق ، حديث 107 .