محمد جمال الدين القاسمي

157

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

و عن أم سلمة قالت : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا تلبس المتوفى عنها زوجها ، المعصفرة من الثياب ولا الممشقة ولا الحليّ ولا تختضب ولا تكتحل ولا تطيب » أخرجه أبو داود « 1 » ( والممشقة : المصبوغة بالمشق وهي المغرة ) . وقد استنبط بعضهم وجوب الإحداد من قوله تعالى فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ ، أي : من زينة وتطيب - كما قدمنا - فيفيد تحريم ذلك في العدة وهو الإحداد . وأما الامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفّي فيه زوجها : فروى فيه أحمد وأهل السنن « 2 » حديث فريعة بنت مالك قالت : خرج زوجي في طلب أعلاج له فأدركهم في طريق القدوم فقتلوه ، فأتى نعيه وأنا في دار شاسعة عن دار أهلي ، فأتيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فذكرت ذلك له فقلت : إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة عن أهلي ولم يدع نفقة ولا مالا ورثته وليس المسكن له ، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني ؟ قال : تحولي ، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني - أو أمر بي فدعيت - فقال : امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله . قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا . وفي بعض ألفاظه : أنه أرسل إليها عثمان بعد ذلك فأخبرته ، فأخذ به . وقد أعلّ هذا الحديث بما لا يقدح في الاحتجاج به . الثالثة : أكثر الفقهاء على أنّ هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة ، فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول بل هو توقيفيّ . وذهب مجاهد وغيره إلى أنهما محكمتان . كما سيأتي بيانه . الرابعة : أبدى المهايميّ الحكمة في تحديد عدة المتوفى عنها بهذا القدر ، فقال : لئلا يتعارض في قلبها حب المتوفّى وحب الجديد ، فأخذت مدّة صبرها - وهو أربعة أشهر - وزيد عليه العشر ، إذ بذلك ينقطع صبرها فتميل إلى الجديد ميلا كليا ، فينقطع عن قلبها حب المتوفى . على أنّه يظهر في حق المدخول بها حركة الحمل إذ تكون بعد أربعة أشهر ، لكنها تبتدئ ضعيفة وتتقوى بمضيّ عشر آخر . ثم

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الطلاق ، 46 - باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها حديث 2304 . ( 2 ) أخرجه أحمد في الصفحة 370 من الجزء السادس . والنسائي في : الطلاق ، 62 - باب عدة المتوفى عنها زوجها من يوم يأتيها الخبر . وابن ماجة في : الطلاق ، 8 - باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها ، حديث 2031 .