محمد جمال الدين القاسمي

146

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أولى من الرجوع إلى التحليل ، واللّه الموفق . فصل وأما طلاق الغضبان ففي ( أعلام الموقعين ) ما نصّه : إنّ اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به . واللّه سبحانه رفع المؤاخذة عمن حدث نفسه بأمر بغير تلفظ أو عمل . كما رفعها عمن تلفظ من غير قصد لمعناه ولا إرادة . ولهذا لم يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقا من غير قصد ، لفرح أو دهش أو غير ذلك . كما في حديث الفرح الإلهيّ بتوبة العبد « 1 » ، وضرب مثل ذلك : من فقد راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة فأيس منها ثم وجدها فقال : اللّهم ! أنت عبدي وأنا ربك . أخطأ من شدة الفرح . ولم يؤاخذ بذلك . وكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ . ومن هذا قوله تعالى : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [ يونس : 11 ] ، قال السلف : هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب ، لو استجابه اللّه تعالى لأهلكه وأهلك من يدعو عليه . ولكنه لا يستجيبه لعلمه أن الداعي لم يقصده . ومن هذا رفعه صلّى اللّه عليه وسلم حكم الطلاق عمن طلق في إغلاق . قال الإمام أحمد رضي اللّه عنه في رواية حنبل : هو الغضب . وبذلك فسره أبو داود . وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق - أحد أئمة المالكية ومقدم فقهاء أهل العراق منهم - وهي عنده من لغو اليمين أيضا . فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق . وحكاه شارح أحكام عبد الحق عنه - وهو ابن بريرة الأندلسيّ - قال : وهذا قول عليّ وابن عباس رضي اللّه عنهم وغيرهما من الصحابة : أن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم . وفي « سنن الدارقطنيّ » بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس يرفعه : لا يمين في غضب ، ولا عتاق فيما لا يملك . وهو ، إن لم يثبت رفعه ، فهو قول ابن عباس . وقد فسّر

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : التوبة ، حديث 7 ونصه : عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « للّه أشد فرحا بتوبة عبده ، حين يتوب إليه ، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها . فأتى شجرة فاضطجع في ظلها . قد أيس من راحلته . فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها . ثم قال من شدة الفرح : اللهم ! أنت عبدي وأنا ربك . أخطأ من شدة الفرح » .