محمد جمال الدين القاسمي

147

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الشافعيّ ( لا طلاق في إغلاق ) بالغضب . وفسّره مسروق به . فهذا مسروق والشافعيّ وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسّروا الإغلاق بالغضب . وهو من أحسن التفسير . لأن الغضبان قد أغلق عليه باب القصد لشدة غضبه . وهو كالمكره . بل الغضبان أولى بالإغلاق من المكره . لأن المكره قد قصد رفع الشر الكثير بالشر الذي هو دونه ، فهو قاصد حقيقة . ومن هاهنا أوقع عليه الطلاق من أوقعه . وأما الغضبان فإن انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه عن السكران والمجنون . فإن غول العقل يغتاله الخمر بل أشدّ . وهو شعبة من الجنون ، ولا يشكّ فقيه النفس في أن هذا لا يقع طلاقه . ولهذا قال حبر الأمة - الذي دعا له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، بالفقه في الدين : إنما الطلاق من وطر . ذكره البخاريّ في ( صحيحه ) « 1 » أي : عن غرض من المطلّق في وقوعه . وهذا من كمال فقهه رضي اللّه عنه ، وإجابة دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم له ، إذ الألفاظ إنما تترتب عليها موجباتها لقصد اللافظ بها . واللّه لم يؤاخذنا باللغو في أيماننا . ومن اللغو ما قالته أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها « 2 » وجمهور السلف : إنه قول الحالف : ( لا ، واللّه . وبلى ، واللّه . ) في عرض كلامه من غير عقد لليمين ، كذلك لا يؤاخذ اللّه باللغو في أيمان الطلاق كقول الحالف في عرض كلامه : ( عليّ الطلاق لا أفعل ) و ( الطلاق يلزمني لا أفعل ) من غير قصد لعقد اليمين . بل إذا كان اسم الرب جلّ جلاله لا ينعقد به يمين اللغو ، فيمين الطلاق أولى أن لا ينعقد ، ولا تكون أعظم حرمة من الحلف باللّه . وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وهو الصواب . فإيّاك أن تهمل قصد المتكلّم ونيته وعرفه فتجني عليه وعلى الشريعة ، وتنسب إليها ما هي بريئة منه ، وتلزم الحالف والمقرّ والناذر والعاقد ما لم يلزمه اللّه ورسوله به . فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال . وقد رفع اللّه المؤاخذة بهذا . وهذا كما قال المؤمنون : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] ! فقال ربهم تبارك وتعالى : قد فعلت . وفي ( زاد المعاد ) قال شيخنا : حقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته . قال أبو العباس المبرّد : الغلق ضيق الصدر وقلة الصبر حتى لا يجد له مخلصا .

--> ( 1 ) أخرجه في : الطلاق ، 11 - باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران . . إلخ . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الأيمان والنذور ، 14 - باب لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ * ، حديث 1996 .