محمد جمال الدين القاسمي
145
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة ، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم ، ليعلموا أنّ أحدهم ، إذا أوقعه جملة ، بانت منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ، نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل ، فإنه كان من أشدّ الناس فيه . فإذا علموا ذلك كفّوا عن الطلاق . فرأى عمر هذا مصلحة لهم في زمانه . ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وعهد الصدّيق وصدرا من خلافته - كان اللائق بهم . لأنهم لم يتتابعوا فيه . وكانوا يتقون اللّه في الطلاق . وقد جعل اللّه لكلّ من اتقاه مخرجا . فلما تركوا تقوى اللّه وتلاعبوا بكتاب اللّه وطلقوا على غير ما شرعه اللّه ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم . فإنّ اللّه سبحانه إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة . ولم يشرعه كلّه مرة واحدة . فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود اللّه ، وظلم نفسه ، ولعب بكتاب اللّه . فهو حقيق أن يعاقب ويلزم بما التزمه ، ولا يقر على رخصة اللّه وسعته ، وقد ضيعها على نفسه ، ولم يتق اللّه ويطلّق كما أمره اللّه وشرعه له . بل استعجل فيما جعل اللّه له الأناة فيه ، رحمة وإحسانا . واختار الأغلظ والأشد . فهذا ما تغيرت به البلوى لتغير الزمان . وعلم الصحابة - رضي اللّه عنهم - حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به . ثم قال : فلما تغير الزمان ، وبعد العهد بالسنة وآثار القوم ، وقامت سوق التحليل ونفقت في الناس ، فالواجب أن يردّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وخليفته من الإفتاء بما يعطل سوق التحليل ويقللها ويخفف شرها . وإذا عرض ، على من وفقه اللّه وبصره بالهدى وفقهه في دينه ، مسألة كون الثلاث واحدة ومسألة التحليل ، ووازن بينهما - تبين له التفاوت ، وعلم أيّ المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين . ثم قال عليه الرحمة : ويمتنع في هذه الأزمنة معاقبة الناس بما عاقبهم به عمر رضي اللّه عنه من وجهين : أحدهما : أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام ، لا سيما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه ، فكيف يعاقب من لم يرتكب محرما عند نفسه ؟ . الثاني : أنّ عقوبتهم بذلك تفتح عليه باب التحليل الذي كان مسدودا على عهد الصحابة رضي اللّه عنهم . والعقوبة - إذا تضمنت مفسدة أكثر من الفعل المعاقب عليه - كان تركها أحبّ إلى اللّه ورسوله . ولا يستريب أحد في أنّ الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر الصدّيق وصدر من خلافة عمر