محمد جمال الدين القاسمي

138

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أثبت تعالى حقّ المراجعة بعد المفارقة مرتين ، وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب . فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف . وإن كان الأصلح له تسريحها سرّحها على أحسن الوجوه . وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده . وَلا يَحِلُّ لَكُمْ ، - أي : أيها المطلّقون - أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً - من المهر وغيره - إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي : فيما يلزمها من حقوق الزوجية - فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ، أي : نفسها عن ضرره ؛ أي : لا إثم على الزوج في أخذ ما افتدت به ، ولا عليها في إعطائه . وهذه الآية أصل في الخلع . وقد ذكر ابن جرير : أنّ هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس وكانت زوجته لا تطيقه بغضا . ففي ( صحيح البخاريّ ) « 1 » عن ابن عباس : « أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه ! ما أعيب عليه في خلق ولا دين . ولكن أكره الكفر في الإسلام . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ! قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة » . وقد بسط طرق هذ الحديث مع أحكام الخلع الإمام ابن كثير في ( تفسيره ) ، وكذا شمس الدين ابن القيّم في ( زاد المعاد ) فلتنظر ثمّه . تِلْكَ - أي : الأحكام العظيمة المتقدمة للطلاق والرجعة والخلع وغيرها . . . - حُدُودَ اللَّهِ - شرائعه - فَلا تَعْتَدُوها - بالمخالفة والرفض - وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، أي : لأنفسهم بتعريضها لسخط اللّه تعالى وعقابه . وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 230 ] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 230 ) فَإِنْ طَلَّقَها - أي : بعد التطليقتين - فَلا تَحِلُّ لَهُ - برجعة ولا بنكاح جديد - مِنْ بَعْدُ - أي : من بعد هذا الطلاق - حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ أي :

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الطلاق ، 12 - باب الخلع وكيف الطلاق فيه ، حديث 2153 .