محمد جمال الدين القاسمي

137

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الذي يستحق الزوج فيه الردّ والرجعة مرتان أي : اثنتان ، وإيثار ما ورد به النظم الكريم عليه للإيذان بأنّ حقهما أن يقعا مرّة بعد مرّة لا دفعة واحدة ، وإن كان حكم الردّ ثابتا حينئذ أيضا . قال ابن كثير : هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام : من أنّ الرجل كان أحقّ برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة ، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات ، قصرهم اللّه تعالى على ثلاث طلقات : وأباح الرجعة في المرة وثنتين ، وأبانها بالكلية في الثالثة ، فقال : الطَّلاقُ مَرَّتانِ . . . الآية . قال الإمام أبو داود في ( سننه ) « 1 » : باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث . ثم أسند عن ابن عباس في هذه الآية قال : إن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحقّ برجعتها وإن طلقها ثلاثا . فنسخ ذلك ، فقال : الطَّلاقُ مَرَّتانِ . . الآية . ورواه النسائيّ وغيره . وروى الترمذي « 2 » عن عائشة قالت : كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر ؛ حتى قال رجل لامرأته : واللّه لا أطلقك تبينين مني ولا أوويك أبدا . . ! قالت : وكيف ذاك ؟ قال : أطلقك . فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك . فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها ، فسكتت عائشة حتى جاء النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته ، فسكت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حتى نزل القرآن الطَّلاقُ مَرَّتانِ . . الآية . قالت عائشة : فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا . من كان طلق ومن لم يكن طلق . ثم أسنده عن عروة ولم يذكر عائشة ، وقال : هو أصح ! . وقوله تعالى : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ، أي فالحكم بعد تطليق الرجل امرأته تطليقتين : أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها ؛ أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا ، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ، ولا ينفر الناس عنها . قال الرازيّ : الحكمة في إثبات حق الرجعة : أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشقّ عليه مفارقته أو لا ؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر . فلو جعل اللّه الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة ، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة ، فلا جرم

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الطلاق ، 10 - باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ، حديث 2195 . ( 2 ) أخرجه الترمذيّ في : الطلاق ، 16 - باب حدثنا قتيبة .