محمد جمال الدين القاسمي

128

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والعمل والهدى ، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والأفعال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره . وأيضا فإنه يورث من الوقاحة والجراءة ما لا يورثه سواه . وأيضا فإنه يورث من المهانة والسّفال والحقارة ما لا يورثه غيره . وأيضا فإنه يكسو العبد من حلّة المقت والبغضاء وازدراء الناس له ، واحتقارهم إياه ، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحسّ . فصلوات اللّه وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به . وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به . ولما اشتملت هذه الآية على الإذن في قضاء الشهوة ، نبّه على أن لا يكون المرء في قيدها بل في قيد الطاعة ، فقال تعالى : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ، أي : ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة لتنالوا به الجنة والكرامة ، كقوله : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تجترئوا على المعاصي وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ صائرون إليه فاستعدّوا للقائه وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالثواب . وإنما حذف لكونه كالمعلوم ، فصار كقوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [ الأحزاب : 47 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 224 ] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، ( العرضة ) بضم العين فعلة بمعنى مفعول - كالقبضة والغرفة - وهي اسم ما تعرضه دون الشيء . من عرض العود على الإناء . فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا منه ، تقول : فلان عرضة دون الخير . وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات - من صلة رحم ، أو إصلاح ذات بين ، أو إحسان إلى أحد - ثم يقول : أخاف اللّه أن أحنث في يميني . فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه . فقيل لهم : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ، أي : حاجزا لما حلفتم عليه . وسمّي المحلف عليه يمينا لتلبّسه باليمين . كحديث : من حلف على يمين . الآتي ذكره . أي : على شيء مما يحلف عليه . وقوله : أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا ، عطف بيان لِأَيْمانِكُمْ ، أي : للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس - أفاده الزمخشريّ . وعلى هذا التأويل : الآية . كقوله تعالى : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ