محمد جمال الدين القاسمي

129

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا . أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [ النور : 22 ] . والمعنى المتقدم في الآية اتفق عليه جمهور السلف . ورواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : لا تجعلن اللّه عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير . وقد ثبت في ( الصحيحين ) « 1 » عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إني ، واللّه ! إن شاء اللّه ، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الذي هو خير وتحلّلتها » . و روى مسلم « 2 » عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفّر عن يمينه وليفعل الذي هو خير » . وفي الآية وجه آخر ذكره كثير من المفسّرين . وهو النهي عن الجراءة على اللّه تعالى بكثرة الحلف به . وذلك لأنّ من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له . يقول الرجل : قد جعلتني عرضة للومك . وقال الشاعر : ولا تجعليني عرضة للوائم وقد ذم اللّه تعالى من أكثر الحلف بقوله : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [ القلم : 10 ] . وقال تعالى : وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ [ المائدة : 89 ] . والعرب كانوا يمدحون المرء بالإقلال من الحلف كما قال كثيّر : قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن سبقت منه الألية برّت والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان : أنّ من حلف في كل قليل وكثير باللّه ، انطلق لسانه بذلك . ولا يبقى لليمين في قلبه وقع . فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة . فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين . وأيضا ، كلّما كان الإنسان أكثر

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : فرض الخمس ، 15 - باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ، حديث 1471 ونصه : عن زهدم قال : كنا عند أبي موسى . فأتى ذكر دجاجة . وعنده رجل من بني تيم الله أحمر كأنه من الموالي . فدعاه للطعام . فقال : إني رأيته يأكل كل شيئا فقذرته فحلفت لا آكل . فقال : هلم فلأحدثكم عن ذاك : إني أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في نفر الأشعريين نستحمله . فقال « والله ! لا أحملكم . وما عندي ما أحملكم » وأتى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بنهب إبل . فسأل عنا . فقال « أين النفر الأشعريون ؟ » فأمر لنا بخمس ذود غرّ الذرى . فلما انطلقنا قلنا : ما صنعنا ؟ لا يبارك لنا . فرجعنا إليه فقلنا : إنا سألناك أن تحملنا فحلفت أن لا تحملنا . أفنسيت ؟ قال « لست أنا حملتكم . ولكن الله حملكم . وإني ، والله ! إن شاء الله ، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير ، وتحللتها » . وأخرجه مسلم في : الأيمان ، حديث 7 . ( 2 ) أخرجه في : الأيمان ، حديث 12 و 13 و 14 .