محمد جمال الدين القاسمي

12

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ومنه يعلم أن لا تحديد للكثرة المفهومة ، وأنّ مردّها للعرف لاختلاف أحوال الزمان والمكان . ثم ذكر نائب فاعل ( كتب ) بعد أن اشتد التشوّف إليه ، فقال الْوَصِيَّةُ وتذكير الفعل الرافع لها : إمّا لأنه أريد بالوصية الإيصاء ، ولذلك ذكّر الضمير في قوله فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ وإمّا للفصل بين الفعل ونائبه ، لأنّ الكلام لما طال ، كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث . وقوله لِلْوالِدَيْنِ بدأ بهما لشرفهما وعظم حقّهما وَالْأَقْرَبِينَ من عداهما من جميع القرابات بِالْمَعْرُوفِ وهو ما تتقبله الأنفس ولا تجد منه تكرّها . و في الصحيحين « 1 » : أنّ سعدا قال : يا رسول اللّه ، إنّ لي مالا ولا يرثني إلّا ابنة لي . أفأوصي بثلثي مالي ؟ قال : لا . . ! قال : فبالشطر ؟ قال لا . . ! قال : فالثلث ؟ قال الثلث ، والثلث كثير ، إنّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ! و في صحيح البخاري « 2 » أن ابن عباس قال : لو أنّ الناس غضوا من الثلث إلى الربع ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : الثلث والثلث كثير . . ! و روى الإمام أحمد « 3 » عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن حنظلة : سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة أنّ جدّه أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل ، فشقّ ذلك على بنيه ، فارتفعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال حنيفة : إنّي أوصيت

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الجنائز ، 36 - باب رثي النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سعد بن خولة ونصه : عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي . فقلت : إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة . أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال « لا » فقلت : بالشطر ؟ فقال « لا » ثم قال « الثلث ، والثلث كبير ( أو كثير ) إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها ، حتى ما تجعل في في امرأتك » فقلت : يا رسول الله ! أخلّف بعد أصحابي ؟ قال : « إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة . ثم لعلك أن تخلّف حتى ينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون . اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم » . لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن مات بمكة . وأخرجه مسلم في : الوصية ، حديث 5 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الوصايا ، 3 - باب الوصية بالثلث . ومسلم في : الوصية ، حديث 10 . ( 3 ) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بالجزء الخامس صفحة 67 : وهاكم الحديث بطوله بنصه : عن ذيال بن عتبة بن حنظلة قال : سمعت حنظلة بن جذيم ، جدي ، أن جده حنيفة قال لجذيم : اجمع لي بنيّ فإني أريد أن أوصي . فجمعهم فقال : إن أول ما أوصي أن ليتمي هذا الذي في حجري مائة من الإبل ، التي كما نسميها في الجاهلية المطيبة . فقال جذيم : يا أبت ! إني