محمد جمال الدين القاسمي
116
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
من كتابية ووثنية ، فقد خصّ من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [ المائدة : 5 ] . وقد بسط العلّامة الرازيّ هاهنا الكلام على أنّ لفظ ( المشرك ) هل يتناول الكفار من أهل الكتاب ؟ فانظره . والتحقيق : أن المشرك لا يتناول الكتابيّ ، لأن آيات القرآن صريحة في التفرقة بينهما . وعطف أحدهما على الآخر في مثل : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [ البينة : 6 ] . وسرّ ذلك ، أن المشرك هو من يتدين بالشرك . أي : يكون أصل دينه الإشراك ؛ والكتابيّ - وإن طرأ في دينه الشرك - فلم يكن من أصله وجوهره . وقوله تعالى : وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ تعليل للنهي عن مواصلتهنّ ، وترغيب في مواصلة المؤمنات ؛ أي : ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرقّ وقلة الخطر خير من مشركة مع ما لها من شرف الحرية ورفعة الشأن . فإن نقصان الرّقّيّة فيها مجبور بالإيمان الذي هو أجلّ كمالات الإنسان وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ أي : المشركة بحسنها ونسبها وغيرهما . فإن نقصان الكفر لا يجبر بها وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ بضمّ التاء - من الإنكاح وهو التزويج أي : لا تزوّجوا الكفار - بأيّ كفر كان - من المسلمات حَتَّى يُؤْمِنُوا ويتركوا ما هم فيه من الكفر وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ مع ما به من ذلّ الرّقيّة خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ بداعي الرغبة فيه الدنيوية ، فإن ذهاب الكفاءة بالكفر غير مجبور بشيء منها . وأفهم هذا خيرية الحرّة والحرّ المؤمنين من باب الأولى ، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما ، إعلاما بأن خيريّتهما أمر مقطوع به ، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدّونه دنيّا فشرّفه الإيمان ، ومن يعدّونه شريفا فحقّره الكفران . ولذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدلّ على أنه - وإن كان دنيّا - موضع التفضيل لعلوّ وصفه . وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصرا عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه - أفاده البقاعيّ . ثم أشار إلى وجه الحظر بقوله تعالى : أُولئِكَ أي : المذكورون من المشركات والمشركين يَدْعُونَ من يقارنهم ويعاشرهم إِلَى النَّارِ أي : إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق ؛ فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة ، وكلّ ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض ، فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا . . ! وَاللَّهُ يَدْعُوا