محمد جمال الدين القاسمي

107

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تأتي الفتنة مرادا بها المعصية ، كقوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [ التوبة : 49 ] . يقوله الجدّ بن قيس لما . ندبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى تبوك ، يقول : ائذن لي في القعود ولا تفتني بتعرضي لبنات الأصفر فإني لا أصبر عنهنّ . . ! قال تعالى : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي : وقعوا في فتنة النفاق وفروا إليها من فتنة بنات الأصفر . والمقصود : أن اللّه سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف ، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتل في الشهر الحرام ، بل أخبر اللّه أنه كبير وأنّ ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرّد القتال في الشهر الحرام ، فهم أحقّ بالذم ، والعيب والعقوبة ، لا سيما أولياؤه . كانوا متأولين في قتالهم ذلك ، أو مقصرين نوع تقصير يغفره اللّه لهم . في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند اللّه ، فهم كما قيل : وإذا الحبيب أتى بذنب واحد * جاءت محاسنه بألف شفيع . . . ! فكيف يقاس ببغيض عدوّ جاء بكلّ قبيح ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن ؟ . . تنبيه : اتفق الجمهور على أنّ حكم هذه الآية : حرمة القتال في الشهر الحرام . ثم اختلفوا أنّ ذلك الحكم هل بقي أم نسخ ؟ . قال ابن القيّم في ( زاد المعاد ) في الفصل الذي عقده لما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية . ما نصه : منها محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجع من الحديبية في ذي الحجة . فمكث بها ثم سار إلى خيبر في المحرم كذلك . قال الزهريّ عن عروة عن مروان والمسور ، وكذلك قال الواقديّ : خرج في أوّل سنة سبع من الهجرة . ولكن في الاستدلال بذلك نظر . فإنّ خروجه كان في أواخر المحرم لا في أوله ، وفتحها إنما كان في صفر . وأقوى من هذا الاستدلال بيعة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه تحت الشجرة بيعة الرضوان على القتال وأن لا يفروا . وكانت في ذي القعدة . ولكن لا دليل في ذلك . لأنه إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يريدون قتاله ، فحينئذ بايع الصحابة . ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام دفعا ، وإنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء . فالجمهور جوّزوه وقالوا : تحريم القتال فيه منسوخ ، وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم اللّه . وذهب عطاء وغيره إلى أنّه ثابت غير منسوخ ؛ وكان عطاء يحلف باللّه ما يحل القتال في الشهر