محمد جمال الدين القاسمي

108

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الحرام ولا نسخ من تحريمه شيء . . ! وأقوى من هذين الاستدلالين ، الاستدلال بحصار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم للطائف . فإنه خرج إليها في أواخر شوال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة . فبعضها كان في ذي العقدة . فإنه فتح مكة لعشر بقين من رمضان ، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة . فخرج إلى هوازن وقد بقي من شوال عشرون يوما ففتح اللّه عليه هوازن وقسم غنائمها . ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصروه عشرين ليلة . وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا شك . وقد قيل إنما حاصرهم بضع عشرة ليلة . ( قال ابن حزم : وهو الصحيح بلا شك ) وهذا عجيب منه . فمن أين له هذا التصحيح والجزم به . . ؟ وفي ( الصحيحين ) عن أنس بن مالك في قصة الطائف قال : فحاصرناهم أربعين يوما فاستعصوا وتمنّعوا ، وذكر الحديث . فهذا الحصار وقع في ذي القعدة بلا ريب . ومع هذا ، فلا دليل في القصة لأنّ غزو الطائف كان في تمام غزوة هوازن . وهم بدءوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقتال . ولما انهزموا دخل ملكهم - وهو مالك بن عوف النضريّ - مع ثقيف في حصن الطائف . فحاربت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فكان غزوهم من تمام الغزو التي شرع فيها ، واللّه أعلم . وقال اللّه تعالى في سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ [ المائدة : 2 ] ، وقال في سورة البقرة : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . فهاتان آيتان مدنيتان . بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام . وليس في كتاب اللّه ولا سنّة رسوله ناسخ لحكمها . ولا اجتمعت الأمة على نسخه . ومن استدلّ على النسخ بقوله تعالى : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] ، ونحوها من العمومات ، فقد استدلّ على النسخ بما لا يدلّ . ومن استدل عليه بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا عامر في سرية إلى أوطاس في ذي القعدة ، فقد استدلّ بغير دليل . لأنّ ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال ولم يكن ابتداء منه لقتالهم في الشهر الحرام . وَلا يَزالُونَ - يعني أهل مكة - يُقاتِلُونَكُمْ - أيها المؤمنون - حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ أي : يرجعوكم عن دينكم الإسلام إلى الكفر إِنِ اسْتَطاعُوا أي : قدروا على ردّتكم . وفيه استبعاد لاستطاعتهم . فهو كقول الرجل لعدوّه : إن ظفرت بي فلا تبق عليّ . وهو واثق أنه لا يظفر به . وجملة وَلا يَزالُونَ إما معطوفة على يَسْئَلُونَكَ أو معترضة . والمقصود : تحذير المؤمنين منهم وعدم المبالاة بموافقتهم في بعض الأمور ، لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة في الدين .