محمد جمال الدين القاسمي
106
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها : ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [ الذاريات : 14 ] . قال ابن عباس : تكذيبكم . وحقيقته : ذوقوا نهاية فتنتكم وغايتها ومصير أمرها ، كقوله : ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [ الزمر : 24 ] . وكما فتنوا عباده على الشرك ، فتنوا على النار وقيل لهم : ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [ الذاريات : 14 ] . ومنه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا . . . [ البروج : 10 ] ، فسّرت الفتنة - هنا - بتعذيبهم المؤمنين وإحراقهم إياهم بالنار ، واللفظ أعمّ من ذلك . وحقيقته : عذّبوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم . فهذه الفتنة المضافة إلى المشركين . وأمّا الفتنة التي يضيفها اللّه سبحانه إلى نفسه ويضيفها رسوله إليه كقوله : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [ الأنعام : 53 ] ، وقول موسى : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [ الأعراف : 155 ] فتلك بمعنى آخر ، وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من اللّه لعباده بالخير والشرّ ، بالنعم والمصائب . فهذه لون ، وفتنة المشركين لون . وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر . والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب عليّ ومعاوية ، وبين أهل الجمل وصفّين ، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا - لون آخر . وهي الفتنة التي قال فيها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » : ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي . . . وأحاديث الفتنة - التي أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها باعتزال الطائفتين - هي هذه الفتنة « 2 » . وقد
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الفتن ، 9 - باب تكون فتنة القاعدة فيها خير من القائم . ونصه : عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ستكون فتن ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي . من تشرّف لها تستشرفه ، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذا فليعذ به » . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الفتن ، 11 - كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ونصه : عن حذيفة بن اليمان قال : كان الناس يسألون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الخير ؟ وكنت أسأله عن الشر ؟ مخافة أن يدركني . فقلت : يا رسول الله ! إنا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال « نعم » قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال « نعم . وفيه دخن » قلت : وما دخنه ؟ قال « قوم يهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر » قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال « نعم . دعاة على أبواب جهنم . من أجابهم إليها قذفوه فيها » قلت : يا رسول الله ! صفهم لنا . قال « هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا » قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال « تلزم جماعة المسلمين وإمامهم » قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال « فاعتزل تلك الفرق كلها . ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك » .