محمد جمال الدين القاسمي

475

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

شدّة الزمان ، فلا يكون عنده ما يقريه ، ويشحّ أن ينحر راحلته ، فيفصدها ، فإذا خرج الدم سخّنه للضيف إلى أن يجمد ويقوى فيطعمه إيّاه . وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ويدخل شحمه وبقية أجزائه في حكم لحمه : إمّا تغليبا ؛ أو لأنّ اللحم يشمل ذلك لغة ، لأنه ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه ، وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلده . وعرف غلبة استعماله على رطبه الأحمر . وهو هنا على أصله في اللغة . وإمّا بطريق القياس على رأي ، لأنّه إذا حرّم لحمه الذي هو المقصود بالأكل - وهو أطيب ما فيه - كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم . ولمّا حرّم ما يضرّ الجسم ويؤذي النفس ، حرّم ما يرين على القلب ، فقال وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي : ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له . وأصل ( الإهلال ) رفع الصوت أي : رفع به الصوت للصنم ونحوه ، وذلك كقول أهل الجاهلية : باسم اللات والعزّى . وذكر القرطبيّ عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري أنّه سئل عن امرأة عملت عرسا للعبها ، فنحرت فيه جزورا ، فقال : لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم . وذكر أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها : أنها سئلت عمّا يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت : ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه ، وكلوا من أشجارهم . والقصد سدّ ما كان مظنّة للشرك . قال النوويّ في ( شرح مسلم ) : فإن قصد الذابح - مع ذلك - تعظيم المذبوح له ، وكان غير اللّه تعالى - والعبادة له ، كان ذلك كفرا . فإن كان الذابح مسلما . قبل ذلك ، صار بالذبح مرتدّا . ذكره في الكلام على حديث « 1 » عليّ رضي اللّه عنه : لعن اللّه من ذبح لغير اللّه . قال الحراليّ : وذكر الإهلال إعلام بأنّ ما أعلن عليه بغير اسم اللّه هو أشدّ المحرم ، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر . وروى البخاريّ « 2 » عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : إن قوما قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن قوما يأتوننا

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الأضاحيّ ، حديث 43 ونصه : عن أبي الطفيل ، عمر بن واثلة قال : كنت عند عليّ بن أبي طالب ، فأتاه رجل فقال : ما كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يسرّ إليك ؟ قال فغضب وقال : ما كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يسرّ إليّ شيئا يكتمه الناس . غير أنه قد حدثني بكلمات أربع . قال فقال : ما هن ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : قال « لعن الله من لعن والده . ولعن الله من ذبح لغير الله . ولعن الله من آوى محدثا . ولعن الله من غيّر منار الأرض » . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الذبائح والصيد ، 21 - باب ذبيحة الأعراب ونحوهم .