محمد جمال الدين القاسمي

476

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

باللحم ، لا ندري أذكر اسم اللّه عليه أم لا ؟ فقال : سموا عليه أنتم وكلوه . قالت : وكانوا حديثي عهد بكفر . فكأنّ المحرّم ليس ما لم يعلم أن اسم اللّه ذكر عليه ؛ بل الذي علم أنّ اسم اللّه قد أعلن به عليه . و روي عن عليّ رضي اللّه عنه قال : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلّون لغير اللّه فلا تأكلوا ، وإذا لم تسمعوهم فكلوا ، فإن اللّه قد أحلّ ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون . فصل فيما لتحريم هذه المذكورات من الحكم والأسرار الباهرات فأما الميتة : فقال الحراليّ : هي ما أدركه الموت من الحيوان - عن ذبول القوّة وفناء الحياة - وهي أشد مفسد للجسم ، لفساد تركيبها بالموت ، وذهاب تلزز أجزائها ، وعفنها ، وذهاب روح الحياة والطهارة منها . وقال المهايميّ في تفسيره : ثم أشار تعالى إلى أنه إنما يقطع محبته أكل ما حرّم وهو الميتة وما ذكر معها . فأما الميتة فلأنها خبثت بنزع الروح منها بلا مطهّر من الذبح باسم اللّه - تحقيقا أو تقديرا - فتتعلّق أرواحكم بالخبيث فتخبث ، فينقطع عنها محبة اللّه . وإنما أبيح ميتة السمك لأنّ أصله الماء المطهر ، فكما لا يؤثر فيه النجاسة ، لا يؤثر نزع الروح فيما حصل منه ؛ والجراد لأنّه حصل من غير تولد ولا خبث في ذاته كسائر الحشرات . وأمّا خبث الدّم فلأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ، ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء فهو ميتة . وقال الإمام ابن تيمية : حرّم الدم المسفوح لأنه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية ، وزيادته توجب طغيان هذه القوى ، وهو مجرى الشيطان من البدن ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » « 1 » . وأمّا خبث لحم الخنزير : فلأذاه للنفس - كما حرّم ما قبله لمضرّتها في الجسم

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأحكام ، 21 - باب الشهادة تكون عند الحاكم ، حديث 1063 ونصه : عن عليّ بن حسين أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أتته صفية بنت حييّ . فلما رجعت انطلق معها . فمرّ به رجلان من الأنصار فدعاهما فقال « إنما هي صفية » قالا : سبحان الله ! قال « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » .